... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18073 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3256 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

«فلسطين 36»: مَن يشرح لمن؟

حبر
2026/02/12 - 09:28 501 مشاهدة

لقطة أرشيفيّة لعسكريّ بريطانيّ يقف على رصيف ميناء فلسطينيّ، ويفتح جواز سفر كُتب عليه «الإمبراطوريّة الألمانيّة». بلقطاتٍ مماثلة يفتتح فيلم «فلسطين 36» القصّة، وكأنّه يشير بأصابع الاتّهام المباشرة إلى أوروبا. وفي الوقت ذاته يسمح لسؤال فلسطينيّ تقليديّ أن يُطرح: هل الفيلم موجّهٌ لنا، أم لهم؟

يروي الفيلم حكاية يوسف، شابٌ من قرية فلسطينية في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، ينتقل للعمل في القدس وسط تصاعد الثورة ضد الانتداب البريطاني. بين القرية والمدينة نرى القمع والاعتقال والعقاب الجماعي، مقابل انقسام اجتماعي خَفي بين منطق التفاوض لدى بعض النخب المدينية ومنطق المقاومة في الريف. ومع اشتداد العنف البريطاني وتداخل المصالح والسياسة، يتدرّج يوسف من موقف يومي غير مسيّس (أو غير ثوريّ بوضوح) إلى وعيٍ أكثر حدّة، بينما يقدّم الفيلم تلك السنوات بوصفها لحظة تأسيسية لانفجار طويل «أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم» حسب مخرجته الفلسطينيّة آن ماري جاسر.

الأرشيف المضادّ مقابل التلقين

يستعمل الفيلم الأرشيف المصوّر بشكلٍ استراتيجيّ مُتقن: لا يستدعي اللقطات القديمة كي يقول أو يبرهن حصول الحدث، بل كي يسحب التاريخ من خانة الحكاية إلى خانة الملموس، فتلوين الأرشيف هنا ليس تجميلًا عفويًّا، وإنما هو تفكيك لمسافةٍ اعتدناها بيننا وبين الصورة القديمة. «الأبيض والأسود» يريح الضمير لأنه يحبس الماضي في متحف، أمّا اللون فيعيده إلى زمنٍ قابل للّمس، كأنه يحدث الآن، وكأن الوجوه ليست رموزًا بل أحياء كانوا يملكون حرارة الجلد وارتباك العين. بهذه الحركة يصنع الفيلم أرشيفًا مضادًا: لا يكتفي بتكرار ما ترسّخ في السرديات المهيمنة، بل يعيد ترتيب الحساسية نفسها: من يَملك حق الظهور؟ ومن يُرى كاملًا لا كظل؟ وحين يتداخل الأرشيف مع السرد الدرامي، لا يعود التاريخ خلفية للدراما، بل يصبح الدليل الذي يضغط على الخيال ويُقيّده ويمنحه في الوقت ذاته قوةً أخلاقية: أن تتخيل ضمن حدود ما كان، لا ضمن ما يُراد لنا أن ننساه.

أمّا في المشاهد المصوّرة، فيختار الفيلم ألّا يضع المدينة والقرية على خطّ واحدٍ من الألم، بل على سلّمٍ مباشرٍ من اللياقة الاستعمارية، لتظهر في هذا الخط السردي إحدى أكثر عناصر الفيلم تلقينية. فالمدينة تُقدَّم كفضاءٍ يتقن التعايش مع مزاج السلطة: سهراتٌ مضاءة، كؤوسٌ تُرفع بلا ارتباك، وطمأنينةٌ تُدار كأنها امتيازٌ اجتماعي لا علاقة له بما يجري خارج الأسوار. حتى اللغة هنا ليست أداة تواصل فقط؛ هي شارة انتماء: حين يتبادل أبناء المدينة الحديث بالإنجليزية بينهم، لا يبدون كمن يتعلم لغةً جديدة، بل كمن يجرّب جلدًا جديدًا، جلدًا أقل احتكاكًا بالشارع وأشد قربًا من الذوق الاستعماريّ الوافد. السؤال هنا: هل هذا تصويرٌ تاريخي واقعي لطبقةٍ صعدت مع الحداثة الكولونيالية، أم كليشيه سينمائي سهل يختصر المدينة في نعومةٍ متواطئة؟ 

في المقابل، تُحشر القرية في لغةٍ خشنة لأن حياتها خشنة لا وقت فيها للتماهي ولا للزينة، بل لركضٍ دائم خلف لقمة العيش وخلف كرامةٍ تُسلب علنًا. لا يصوّر هذا الفصل اختلاف مكانين فقط؛ بل يشرح لنا مجتمعًا مقسومًا: مدينة تتأقلم كي لا تُدفع الثمن، وقرية تُدفَّع الثمن لأنها لا تملك رفاهية التأقلم. لكنّ مشكلة الفيلم ليست في أنه يشرح، بل أنه أحيانًا يشرح كما لو أنه يخشى أن يُساء فهمه إن ترك للصورة أن تتكلم وحدها. كأن الراوي الفلسطيني، وقد فُتح له أخيرًا بابٌ ضيّق على شاشة كبيرة، قرر أن يمرّر من خلاله كل ما تراكم من قصصٍ محجوبة دفعة واحدة: جملة تفسّر، ثم جملة تؤكّد، ثم جملة تُغلق باب التأويل قبل أن يُفتح. يظهر ذلك حين يتحوّل الحوار أحيانًا إلى لافتة تفسير لا إلى نَفَس دراميّ. فبدل أن تترك الصورة أثرها المركّب، تُقحَم جُملٌ تُسمّي المعنى وتثبّته سلفًا: مثل عبارة الكابتن وينغيت عن الوقوف في جانب التاريخ، أو صرخة العامل الفلسطينيّ التي تُقدّم الإقصاء الاقتصادي كخلاصة جاهزة مبكّرة لا كتراكم يُرى في التفاصيل. وحتى الأرشيف يُستدعى أحيانًا ليؤطّر القراءة ويوجّهها، لا ليعمل كصدمةٍ مفتوحة تتيح تعدد التأويل. 

هنا تتحوّل الذاكرة من نَفَسٍ حيّ إلى فقرة تُلقى. والنتيجة مفارقة غريبة: بدل أن يعمّق الفيلم الصدق، يُنتج ارتباكًا في المنظور، ليس لأن القصة غير حقيقية، بل لأن طريقة قولها تبدو أحيانًا وكأنها دفاعٌ مسبق أمام محكمة غير مرئية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة التلقينية كعلامة على جمهورٍ مفترض: ليس «نحن» الذين نعرف أن التاريخ يُعاش في تفاصيله الصغيرة، بل «هم» الذين يحتاجون خريطةً وتعريفاتٍ ونقاطًا واضحة. كأن الفيلم يتعثر بين رغبتين: أن يحكي لنفسه بلغته، وأن يترجم نفسه فورًا كي يُفهم ويُقبل. لهذا يظهر الفلسطيني أحيانًا أقل حرية في رواية قصته: يتكلم وهو يراقب أثر كلامه في عين المتلقي الغربي، فينضغط السرد إلى وضوحٍ زائد، وضوحٍ يربح الإفهام، لكنه يخسر شيئًا من الغموض الذي يصنع الحياة. حدّ السينما التعليمية هنا أنها حين تُكثر من الإضاءة، قد تُفقد الظلال التي تجعل الذاكرة صادقة لا «مقنعة» فقط.

هذا الارتباك بين أن أحكي قصتي وأن أشرحها كي تُصدَّق هو بالضبط المكان الذي يصبح فيه الانتقال إلى المقارنة ضرورة، لا ترفًا. لأن السؤال هنا لم يعد ماذا يقول الفيلم عن تلك الحقبة، بل: من يُضطر إلى تحويل تاريخه إلى مادةٍ شارحة كي يُسمح له بالدخول إلى المخيّلة الغربية؟ عند هذه العتبة نكتشف أن التلقينية ليست مجرد خيار أسلوبي، بل أثرٌ لعلاقة قوى: طرفٌ يروي وهو يشعر أنه مُطالب بتقديم براهين وسياق وخرائط، وطرفٌ آخر يستطيع أن يروي من داخل التفوّق المعرفي الأوروبيّ المفترض دون أن يعتذر أو يفسّر كثيرًا. وهنا يصبح فيلم «شوشانا» (Shoshana) مرجعًا عمليًا للمقارنة: فيلمٌ بريطانيّ تدور أحداثه في فلسطين أواخر الثلاثينيات أيضًا، لكنه يتبع فضاءً مختلفًا: ضباط بريطانيون، والمدينة اليهودية الناشئة، وشخصية صحافية تحمل الاسم نفسه، مع اهتمام أكبر بتفاصيل الحياة داخل المنظومة الاستعمارية وكيف تُدار التحالفات والوعود والخيبات. إنّ وجود سردية موازية عن الحقبة نفسها يتيح اختبارًا حاسمًا: لماذا يبدو فيلم فلسطين 36 مضطرًا إلى أن يكون أوضح وأكثر تلقينية، بينما يستطيع فيلمٌ آخر أن يُلمّح ويترك فجواتٍ دون خوف من أن يُتَّهَم بالغموض؟

في «شوشانا» يدخل المتفرّج إلى الحقبة من زاوية محدّدة: قصّة حب تجرّنا إلى عالم الإدارة البريطانية وأجهزتها، وتفاصيل مدينة يهودية نامية، وإلى صراع تيارات وتنظيمات يهودية مسلحة ومنافساتها، ما يجعل التاريخ يُقرأ من الداخل عبر توتّرات شخصية ومؤسسية: تفاوض، حسابات، خوف، وخيارات تتبدّل. هنا حين يظهر «الشرح»، يتخذ غالبًا شكل إطارٍ موجز أو تمهيدٍ سريع، ثم يتراجع لصالح الدراما، حيث تتكوّن الدلالة من الفعل والنتيجة لا من الجملة المُعلنة. وفوق ذلك، يتعامل الفيلم مع المعرفة التاريخية بقدرٍ من الاقتصاد: يضع المتفرّج داخل مواقف تتكشّف فيها السلطة خطوةً خطوة، فيتعلّم من الإجراء والنتيجة لا من الخطابة. بدل الجملة التي تشرح، يقدّم سلسلة خيارات تتبدّل تحت الضغط، وحوارات تُدار بمنطق المصالح والخوف لا بمنطق الشعارات. وحتى عندما يحتاج الفيلم إلى توضيح، فإنه يميل إلى تمريره داخل سير الأحداث لا كوقفة تفسيرية تُحكم القراءة؛ لذلك يبدو أقل تلقينيةً، ويترك مساحة معتبرة للمتفرّج كي يلتقط المعنى بنفسه.

أما «فلسطين 36» فيشتغل كلوحة بانورامية اجتماعية أوسع: قرية ومدينة وطبقات ولهجات وشخصيات كثيرة في زمنٍ متوتر. هذا الاتساع يمنحه قدرة على استعادة الداخل الفلسطيني وتفاصيله، لكنه يرفع في المقابل منسوب الحرص على الفهم. ولهذا الاتساع ثمنٌ سرديّ واضح: حين تتكاثر الشخصيات وتتوزّع الحكاية على مساراتٍ متجاورة لا يجمعها دائمًا خيطٌ دراميّ واحد، يغدو على الفيلم أن يصنع الروابط على عجل كي لا يتفلت المعنى. فكونُ الجميع يعيش تحت واقع الاحتلال والقمع لا يكفي وحده ليكون محرّكًا دراميًا جامعًا؛ إنه سياقٌ عام، لا حبكةٌ تُرتّب العلاقات وتُنتج التوتر بين الشخصيات من داخلها. لذلك يلجأ الفيلم أحيانًا إلى المباشَرة بوصفها أداة ضبط: تعريف سريع بالشخصية ووظيفتها، ثم تثبيت لموقعها السياسي أو الطبقي، ثم جملة تُقفل دلالة المشهد قبل أن تزاحمها وجوهٌ جديدة. وبخلاف فيلمٍ يبني عالمه من مركزٍ سرديّ ضيق كقصة حب تتفرّع عنها الدلالات تدريجيًا يفتتح الفيلم منذ الدقائق الأولى شبكةً واسعة قد لا يربط بين أطرافها سوى التجربة المشتركة؛ لذا يبدو كأنه يسرّع الشرح حفاظًا على تماسك اللوحة.

غياب الشخصيات اليهودية المُفصّلة في «فلسطين 36» ليس سهوًا، بل قرار تركيز يختبر حدود المنظور: اليهود يظهرون غالبًا كحضورٍ بعيد أو كأطياف مرتبطة بالاستيطان، من دون أن يتحولوا إلى ذواتٍ لها صوت وتعقيد داخلي. يمنح هذا الخيار الحكاية وفاءً صارمًا لزاوية نظر فلسطينية لا تريد إعادة تمركز «الآخر» داخل قصتها، لكنه يخلق في الوقت نفسه نقطة احتكاك مع متلقٍ خارجيّ يتوقع توازن تمثيل حتى داخل سردية منحازة، فيقرأ الغياب كاختزال لا كاختيار. وإذا أخذنا الإشارة الافتتاحية -حيث تبدو أصابع الاتهام متجهة إلى أوروبا- بوصفها بوصلة الفيلم، صار هذا الاختيار أكثر وضوحًا: فالفيلم يُصرّ على جعل البريطاني الآخر المركزي لأنه يمثل الآلة الاستعمارية التي شرعنت وراقبت وعاقبت وأدارت الواقع يوميًا؛ أي أنّه يضعنا أمام السبب المؤسسيّ المباشر، لا أمام النتيجة وحدها. بهذه الطريقة تُهمَّش الصهيونية كشخصيات لصالح إبراز الانتداب كمنظومة تُنتج الشروط وتحميها. لذلك، حين نضع «شوشانا» على الطاولة لا نفعل ذلك لمعادلة سرديتين، بل لنسأل: لماذا يمنح بعض الرواة أنفسهم رفاهية الإيحاء والسكوت، بينما يُدفَع الراوي الفلسطيني إلى أن يشرح ويعرّف ويثبت كي لا تُتّهم قصته بالغموض أو الانحياز؟

عمارة الذاكرة

في فلسطين 36، المكان ليس خلفيةً للأحداث بل هو آلةُ استرجاع كاملة: الشارع، الحقل، العتبة، الحجر الكلسي، واجهات الدكاكين، ترتيب الأثاث، وحتى تدرّج الضوء داخل البيت. كلها تعمل كأنها خريطةٌ بصريّة تعيد إلينا جغرافيا حُرمنا منها، لا باعتبارها حدودًا على ورق بل باعتبارها عاداتٍ ماديّة: كيف كانت المدن تُدار اجتماعيًا، وكيف كانت القرية تُصاغ من اقتصادها اليومي ومن علاقة الناس بالأرض. ورغم أن الحقبة قاسية، ينجح الفيلم في تقديم فلسطين مرئية بما يكفي لاستدعاء نوستالجيا الأجداد: فلسطين الجميلة التي لا تحتاج خطابًا كي تثبت وجودها؛ يكفي أن تُرى.

لكن هنا تحديدًا تظهر مشكلة التصميم أيضًا: حين يصير المكان جميلًا أكثر مما ينبغي، يتحول التاريخ إلى ديكورٍ مُرتّب، وإلى تراث صالح للاستهلاك السريع. بعض الفضاءات تبدو وكأنها صُمّمت لتقنع المتفرّج بجمالها قبل أن تقنعه بتناقضاتها: المدينة تُلمَّع أحيانًا كصالونٍ كولونيالي أنيق، والقرية تُقدَّم كفقرٍ مُنمّق ومؤطّر بعناية. هذا الشكل من الإتقان قد يربح الصورة، لكنه يخسر خشونة المادة: فوضى الحياة، ارتجال العمارة، التداخل بين المحلي والوافد، وطبقات الزمن التي لا تُرى عندما يكون كل شيء مضبوطًا أكثر من اللازم. بمعنى آخر: التصميم يفتح باب الذاكرة، لكنه في لحظات يسكّنها بدل أن يزعجها.

يتأرجح الأداء في «فلسطين 36» بين الإقناع والمبالغة، وأحيانًا بين لهجتين داخل الممثل نفسه. اختيار ظافر العابدين لدور «أمير عاطف» يظل سؤالًا مشروعًا؛ فالشخصية يفترض أن تحمل تماسك ابن المدينة وإيقاعه، لكن ارتباك اللسان يفضح الاصطناع في اللحظات المفصلية، لا سيما حين ينتقل الدور من برودٍ سياسي إلى انفعالٍ متأخر يبدو أقرب إلى واجبٍ درامي منه إلى تراكمٍ داخلي. في المقابل، يقدّم كريم عناية «يوسف» بأداء قائم على التحفّظ والامتصاص؛ وهو خيار يخدم فكرة التسييس التدريجي، لكنه يُعرّض الشخصية لخطر التحوّل إلى شاهدٍ ينقل الأحداث أكثر مما يعيشها. هنا يبرز معيار صالح بكري ويافا بكري: اقتصاد في الحركة، ثِقل بلا استعراض، وانفعال لا يحتاج رفع الصوت كي يثبت حضوره. أمّا البريطانيون فيُقدَّمون بوظائف واضحة داخل ماكينة الاستعمار – وضوحٌ مفيد سرديًا – لكنّه يلامس أحيانًا تبسيطًا أخلاقيًا يختصر البنية في وجوه.

أما ياسمين المصري في دور «خلود عاطف» فهي أهم ما في عنصر الأداء، لأنها تمسك بشخصية تقع على الحافة: امرأة مدينية تعرف كيف تتكلم بلغة الوجاهة وتستعملها ضدّ صاحبها حين يلزم. قوتها ليست في الصوت المرتفع، بل في قدرتها على تحويل الجملة العادية إلى موقف، وعلى إظهار ذكاءٍ اجتماعيّ يقرأ الرجال من داخل قواعدهم. صحيح أن أداءها يلامس أحيانًا نبرة مسرحية غير مريحة، كأن الإلقاء يسبق التجربة، لكن هذا التوتر نفسه يخدم الشخصية حين نفهم خلود المضطرّة لإتقان الدور داخل بيتٍ سياسي: أن تُساير، ثم تُناور، ثم تُفلت من القبضة حين تنضج القطيعة. لهذا تبدو لحظات هدوئها – خصوصًا قرب النهاية – الأكثر إقناعًا: عندما تتوقف عن شرح موقفها وتترك نظرتها وحركتها تقول ما لا يقوله الحوار. انفصالها لا يشتغل بوصفه حدثًا عاطفيًا فقط، بل اختيارًا أخلاقيًا يفضح تواطؤ الاعتدال المديني؛ لحظة تتقاطع فيها ثورةٌ شخصية مع موقفٍ وطني من غير شعارات زائدة، فتُصبح خلود واحدة من الشخصيات القليلة التي لا تحتاج أن ترفع الصوت كي تُسمَع.

النسوية وحدود التمثيل

في الفيلم ليست النسوية إضافة تجميلية، بل خيطٌ واعٍ يربط القرية بالمدينة عبر نموذجين متوازيين للفاعلية: في المدينة تظهر خلود عاطف بوصفها عقلًا سياسيًا يكتب ويشتبك أخلاقيًا من داخل بيت الصحافة والوجاهة، حتى لو اضطرّت إلى التخفي خلف اسمٍ ذكوري أو إلى التصادم مع براغماتية زوجها أمير عاطف. وفي القرية تقف رباب (الأم/الأرملة) لا كظلٍّ خلف الثائر، بل كحاملةٍ للفعل اليومي وخطورته: حماية البيت، حماية البنت، والانخراط في منطق المواجهة حين تصبح الحياة نفسها مهدَّدة. وبينهما تمتدّ صلابة الجيل الأكبر عبر حنان كذاكرةٍ تعمل بصمت أكثر مما تخطب. هذه الخيارات ليست تحديثًا مفروضًا على الماضي؛ تاريخيًا كان للنساء الفلسطينيّات حضورٌ تنظيمي واحتجاجي خلال تلك السنوات عبر لجانٍ ومبادراتٍ ومؤتمراتٍ وحشدٍ وتمويلٍ. لكن حدّ التمثيل هنا أن الفيلم، وهو يحاول تصحيح محوٍ طويل، يحمّل الشخصيات النسائية عبءَ إثباتٍ زائد: تتحول المرأة أحيانًا إلى جهاز شرحٍ داخل المشهد -تُقال الحقيقة على لسانها بوضوحٍ شديد كي لا تُساء قراءتها- فتقع في فخ التلقينية: شخصيات تُكتب بقدرٍ من الاستقامة أكبر من الحياة، وبقدرٍ من الوضوح أكبر من الدراما. هذا لا ينفي قوتها، لكنه يفسّر لماذا قد يحسّ المتفرّج أحيانًا أن الفيلم يخاطب عينًا خارجية أكثر مما يترك النساء يعشن تناقضاتهن كاملة، لا كحجّة على التقدم، بل كأشخاصٍ يخطئون ويترددون ويُفاجَؤون مثل أي بشر.

الخلاصة أن الفيلم لا يُقاس بما قاله عن الماضي، بل بما فعله بعين المتفرّج وهو يراه. لأنه يضعنا أمام معادلة قاسية: كل محاولة لاستعادة زمنٍ مُصادَر تمرّ عبر وسيطٍ يجب أن يكون مفهومًا ومقنعًا وقابلًا للتداول. وهذا الوسيط نفسه قد يغيّر شكل الشيء المستعاد. لذلك يصبح السؤال الأخير لا عن الدقة أو الجمال أو حتى الانحياز، بل عن كلفة الاسترجاع: ماذا نخسر من تعقيد التجربة عندما نضطر لصياغتها بطريقة يمكن أن تمرّ عبر بوابات الاعتراف؟

إذا كان في الفيلم شيء يظل عالقًا بعد المشاهدة، فهو هذا الشدّ بين الحق والصياغة: بين تاريخٍ يريد أن يظهر كما هو، وتاريخٍ لا يُسمح له بالظهور إلا إذا قدّم نفسه ضمن قالب مفهوم للآخر. هنا تتكشف مفارقة مؤلمة: أن يكون امتلاك الصوت متاحًا أخيرًا، لكن بشروطٍ تجعل الصوت واعيًا دومًا بأنه مُراقَب. وعند هذه النقطة بالذات يكتسب الفيلم قيمته: ليس كوثيقة نهائية، بل كاختبارٍ علني لمعنى أن تحاول أن تتكلم من مكانٍ لم يُتح له الكلام طويلًا، وأن تعرف وأنت تتكلم أن شكل الجملة قد يقرر مصير الحقيقة.

مشاركة:
\n

ROYAL JORDANIAN

إعلان

احجز رحلتك الآن - خصم 10% على جميع الوجهات ✈️ عمّان → دبي، لندن، إسطنبول والمزيد

10%

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤