فكة بديلة في غزة.. صك قطع معدنية لمواجهة شح السيولة
هل يوجد فكة؟.. بات هذا السؤال اليومي البسيط يمثل هاجسا يؤرق المواطن الفلسطيني في قطاع غزة، ويتحكم في تفاصيل سلوكه المعيشي واليومي، مدفوعا بأزمة سيولة حادة وغير مسبوقة تضرب القطاع، جراء منع الاحتلال إدخال العملات النقدية والورقية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وتشهد أسواق القطاع شحاً خانقاً في الفئات النقدية الصغيرة (الفكة) من عملة "الشيكل" الإسرائيلي المتداول محليا، نتيجة منعه إدخال العملات الورقية والمعدنية إلى القطاع منذ نحو عامين ونصف.
هذه الأزمة تعمقت بشكل أكبر مع لجوء بعض التجار لـ"احتكار" المتوفر منها رغم محدوديتها، ما انعكس سلبا على قدرة أكثر من مليوني فلسطيني من تسيير شؤونهم اليومية سواء من شراء الخبز أو ركوب المواصلات أو غيرها من الاحتياجات الأساسية.
أزمة النقد في غزة
واستنادا إلى تقارير مؤسسات اقتصادية فلسطينية ودولية، فقد كان القطاع يعتمد بشكل شبه كلي قبل حرب الإبادة على المعاملات النقدية المباشرة، حيث كان الدفع النقدي يغطي ما بين 80 و90% من إجمالي المدفوعات اليومية.
في الوقت ذاته كان حجم السيولة النقدية المتداولة داخل القطاع قبل الحرب تقدر بما يتراوح بين 2 _3 مليارات شيكل (الشيكل 2.92 دولار)، مدفوعا بتدفقات تحويلات خارجية ومساعدات دولية شهرية تراوحت بين 150 و200 مليون دولار.
غير أن القيود المشددة التي يفرضها الاحتلال على إدخال الأموال، إلى جانب التعطل شبه الكامل لعصب الجهاز المصرفي، أديا إلى انكماش حاد وجاف في الكتلة النقدية المتاحة للتداول في الأسواق بنسبة تقديرية تتراوح بين 60 -80 بالمئة.
مبادرة من رحم المعاناة
حساسية هذه المشكلة وتأثيرها المباشر على كافة شرائح المجتمع، من الأطفال والمسنين وصولا إلى التجار والسائقين، دفع بنشطاء محليين إلى ابتكار حل شعبي مؤقت لإنقاذ حركة البيع والشراء اليومية، عبر مبادرة محلية تتضمن صك قطعا معدنية بديلة.
صاحب هذه المبادرة هو رئيس تجمع "مبادِرون مصلحون"، أحمد حمدان، الذي أشار إلى أن فكرة إيجاد عملة مؤقتة جاءت من رحم المعاناة، فالحاجة كما يُقال هي أم الاختراع.
وأضاف: "أهل غزة يعانون الأمرين بسبب غياب الفكة؛ إذ قد يعجز رب الأسرة أحيانا عن شراء ربطة خبز واحدة لِعائلته، أو يضطر لمشاهدة أبنائه يسيرون مسافات طويلة عجزا عن دفع أجر الحافلة نتيجة اشتراط السائقين توفر الفكة".
ويشير حمدان في حديث لـ"قدس برس" "هذا الواقع دفعنا للتفكير في حل -ولو كان مؤقتا- يسند المواطنين إنسانيا واقتصاديا، وبعد جهود حثيثة، نجحنا في صك قطع نحاسية مطلية بماء الذهب من عيار 24، ووفرنا منها فئات (2، و3، و5) شواكل، وهي الفئات الأكثر شحا في السوق والأكثر طلبا من قِبل المواطنين".
وسيط مالي بلا دلالات سياسية
وحول طبيعة هذه الخطوة وأبعادها، يشدد حمدان على أن هذه العملة الشعبية التي أُطلق عليها اسم "فكة"، وتتداول بالقيمة ذاتها المقابلة للشيكل، "لا تحمل أي أبعاد أو دلالات سياسية"، لأن الغرض منها التيسير على المواطنين.
واستدرك بالقول: "تمثل هذه المبادرة وسيط مالي محلي للتداول بين الناس، تهدف حصرا إلى تسهيل المعاملات اليومية، والتخفيف من وطأة الضغط الاقتصادي الناجم عن الحصار، وإيجاد مخرج مؤقت لأزمة مستعصية تمس لقمة العيش وحرية الحركة والتنقل".
وتشير هذه المبادرة، إلى عمق الأزمات الهيكلية التي يفرضها حصار الاحتلال على التفاصيل الدقيقة للحياة في غزة، وفي الوقت ذاته، تبرز قدرة المجتمع المحلي على ابتكار أدوات الصمود والبقاء وتوليد الحلول من وسط الركام والأزمات الخانقة.





