... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
18377 مقال 495 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 3312 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 8 ثواني

ديْنٌ جديد لسداد القديم: هل ينمو الدين العام الأردني إلى الأبد؟

حبر
2026/03/08 - 08:33 501 مشاهدة

في نهاية تشرين الثاني الماضي، أعلنت دائرة الإحصاءات العامة عن انتهاء المراجعة الشاملة للإطار الإحصائي للحسابات القومية والناتج المحلي الإجمالي،[1] والتي جرى بموجبها إعادة تقييم الأخير برفعه بنسبة 10%، أي ما يعادل 3.6 مليار دينار، وذلك بعد إعادة احتساب ما تضيفه القطاعات الإنتاجية والخدماتية من قيمة إلى مجمل الدخل الوطني، وإضافة قطاعات اقتصادية أخرى غير منظمة لم تكن محسوبة سابقًا، مثل التجارة الإلكترونية وخدمات التطبيقات الذكية وغيرها.

أثر ذلك بطبيعة الحال على نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث انخفضت من نحو 117% لعام 2024[2] إلى 106% للعام نفسه بحسب صندوق النقد الدولي الذي أقرّ في كانون الأول الماضي المراجعة الرابعة ضمن برنامج التسهيل الممتد، والمراجعة الأولى في إطار ترتيبات تسهيل المرونة والاستدامة للأردن.[3]

وتذكر المراجعة المذكورة، ومعها نشرات المالية العامة الأخيرة الصادرة عن وزارة المالية، أن الحكومة تستهدف خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 80% بحلول عام 2028. والمقصود هنا هو الدين العام المستثنى منه الدين المترتب على الحكومة لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، والذي وصل حتى نهاية تشرين الثاني الماضي إلى قرابة 11 مليار دينار ما يعادل 25.6% من الناتج المحلي الإجمالي، علمًا بأن الدين العام استمر في النمو إلى 109% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي مسجلًا 47.4 مليار دولار.[4] 

فمنذ عام 2020، اتفقت حكومة عمر الرزاز مع صندوق النقد الدولي على التعامل مع الدين المذكور باعتباره متعلقًا بمؤسسة تابعة للحكومة، وبالتالي لا مشكلة في استثنائه محاسبيًا من تقديرات الدين العام على قاعدة أن الحكومة لا تُقرض نفسها. وعليه، تتعامل الحكومة حاليًا -وأمام الدائنين الخارجيين بالدرجة الأولى- مع دين عام تبلغ نسبته حوالي 82% من الناتج المحلي الإجمالي.

يعتقد أحمد عوض، المدير العام لمركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أن هذا الإجراء الذي كان نتيجة لـ«تآمر» الصندوق مع الحكومة -على حد تعبيره- فتح شهية الأخيرة على الاقتراض واستسهال تحقيق مؤشرات رقمية إيجابية ورطت الحكومات اللاحقة، وهذا ما يفسر جزئيًا تصاعد الدين العام خلال السنوات الخمس الأخيرة.

أما فيما يتعلق بإعادة احتساب الدخل القومي فيرى عوض أنه إجراء طبيعي تقوم به الكثير من الدول كل عدة سنوات بهدف إعادة ضبط ما لديها من أرقام. أما كيف ستتعامل الحكومة مع هذه الأرقام الجديدة المُعاد تقييمها فيعتقد أنها ستتجه نحو المزيد من الاقتراض، ما سيؤدي إلى ارتفاع الدين العام بالأرقام المطلقة (الاسمية)، وإن بدا أنه ينخفض نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.

وبالفعل، نلاحظ أن الدين العام انخفض محاسبيًا لكن ليس نتيجة سداد أجزاء أكبر من أقساطه وفوائده، بمعنى أن قيمته النسبية تتغير حقًا لكن قيمته الحقيقية من حيث كونه عبئًا ماليًا متناميًا يضخم بندَ الإنفاق الجاري على حساب الرأسمالي لا تزال قائمة. علمًا بأن فوائد الدين العام لوحدها تحتل حوالي 20% من الإنفاق الجاري، ونسبة مشابهة تقريبًا من إجمالي الإيرادات المقدرة في موازنة 2026، أي الحكومة ستقوم بدفع فوائد مقدارها 2.260 مليار دينار، والتي تشكّل نحو 79% من مجموع الإنفاق المخصص لقطاعي الصحة والتعليم البالغ قرابة 2.9 مليار.[5]

يقول عوض إن القطاع المالي في الأردن، كغيره من الدول النامية متوسطة الدخل، يستظل بمظلة صندوق النقد الذي تتلخص وظيفته في التأكد من قدرة الدولة على سداد ما بذمتها لدائنيها، بغض النظر عما يتطلبه ذلك من سياسات تقشف ورفع للحماية الاجتماعية، وذلك لأن الجانب الرسمي يحتاج إلى مراجعاته ورقابته على المالية العامة لكي يتمكّن من إدارة الدين العام على قاعدة من المصداقية تتيح له الاستمرار في الاقتراض من الجهات الداخلية والخارجية.

الملفت أن خطوة إعادة تقييم الناتج المحلي الإجمالي ذهبت بعدد من المحللين والمعنيين بالشأن الاقتصادي إلى القول إنها ستعزز التصنيفات الائتمانية للأردن وتجعله قادرًا على الاستدانة بشروط ميسرة عند الحاجة. لكن مقاربة من هذا النوع تدفع للتساؤل عن حدود قدرة الاقتصاد الأردني على الاقتراض، وعما إذا كانت التعديلات الدفترية للدين العام تساهم في كسر حلقة «إعادة تدوير الدين»؛ أي الحصول على دين جديد بفائدة منخفضة لسداد آخر قديم بفائدة مرتفعة، أم أنها تعززها؟ وما الفائدة من هذا الانخفاض الدفتري إذا كانت حصة خدمة الدين العام من الإنفاق العام في ارتفاع مطرد يحد من القدرة على الإنفاق الخدمي والرأسمالي؟

يرى الخبير الاقتصادي سامر الرجوب أن تواضع حجم القاعدة الإنتاجية واتساع فجوة العجز التجاري سيبقى الاقتراض خيارًا استراتيجيًا تنتهجه الحكومة لأنه -إلى جانب معظم السياسات الاقتصادية- يُطبّق لضمان استمرار تدفق القروض من أجل سد احتياجات الإنفاق. مضيفًا أن هناك سقف لا يفترض تجاوزه -نظريًا- وهو 80% من الناتج المحلي بالأسعار الجارية، لكن واقع الحال مختلف تمامًا، إذ تجاورنا هذا السقف منذ مدة طويلة، وتسعى الحكومات إلى تخفيض النسبة الحالية من خلال إجراءات اتخذت سابقًا عندما استثني جزء من الدين الداخلي، وإجراءات حالية عبر إدخال السوق غير المنظم ضمن الحسابات القومية، فضلًا عن إجراءات أخرى تدفع نحو مزيد من النمو في القطاعات الاقتصادية التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة أعلى.

إذن، يبدو أن تخفيض الدين العام يحتاج إلى نهج يخترق البنية الهيكلية التي تحفز إعادة توليده وتعاظمه، أي خفض عجز الموازنة الذي يخلق الحاجة إلى التمويل عبر الاقتراض. وفي هذا السياق، يرى الرجوب بأن الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها الحكومات الأردنية في تخفيض عجز الموازنة تتمحور حول رفع قيمة الإيرادات المتأتية من الضرائب والرسوم، وهو ما لم ينجح تاريخيًا في زيادة الإنفاق الرأسمالي على نحو جوهري؛ علمًا بأن هناك خللًا تركيبيًا هيكليًا واضح في توزيع الإنفاق الحكومي بين الجاري والرأسمالي لا يمكن معه تحقيق نمو حقيقي من خلال تعزيز الإنفاق الرأسمالي.

والطريقة الوحيدة لتخفيض عجز الموازنة، بحسب الرجوب، هي إعادة توجيه أدوات السياسة المالية بما يخدم تحقيق النمو. إلا أن هذه الأدوات تعمل منذ فترة طويلة بعكس النظرية الاقتصادية التي يمكن أن تُحدث نموًا؛ فالتوجه العام هو زيادة الإيرادات الضريبية بغض النظر عن الحالة الاقتصادية، وهو ما حال دون تحقيق نمو حقيقي في الطلب الكلي، فالأصل أن تخفض الضريبة في حالات الانكماش الاقتصادي وهو ما لم يحدث منذ زمن طويل.

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي فهمي الكتوت إلى أن التراكم البنيوي التاريخي للاختلالات الاقتصادية و المالية أدخل البلاد في حالة من الاستعصاء الاقتصادي، تتلخص في الاعتماد على الضرائب غير المباشرة لتأمين الرواتب وسداد فوائد الدين، وهي حالة يصعب تصور استمرارها دون حدوث انفجار اجتماعي ما، لأن الاقتصاد الأردني -بحسبه- يدور منذ عقود في الحلقة المفرغة التالية: ارتفاع الضرائب التي تلتهم جزءًا من الدخل ما يؤدي إلى تراجع الطلب الكلي على السلع والخدمات، فتنخفض أرباح الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما يقود بالتالي إلى انخفاض الاستثمار والإحجام عنه، فترتفع نسب البطالة ويتباطأ النمو، لتكون النتيجة في نهاية المطاف انخفاض الإيرادات الضريبة، ما يدفع الحكومة للتفكير في فرض أنواع وأشكال ضريبية جديدة ، قد تثبت جدوى مالية بمجرد تطبيقها لكن سرعان ما تتراجع أهميتها مع الزمن، فتعود المشكلة إلى نقطة الصفر.

وترزح هذه الدورة الانكماشية تحت ضغط ما يسمى بـ«استدامة الدين العام»، وهو المصطلح الذي يستخدمه التيار السائد للحديث عن قدرة الدولة على السداد وإدارة الدين العام وخدمته على المدى الطويل. ويشرح الكتوت تطبيقات «خدمة الدين» على المستوى الوطني قائلًا إن الحكومات تسدّد فوائد الدين فقط من الخزينة، أما أصل الدين (أقساطه) فتُسدد من خلال ديون جديدة.

وتبين موازنة التمويل للعام الحالي أن الدولة ستقترض حوالي 12.4 مليار دينار دينار لسداد عجز الموازنة البالغ 2.87 مليار، وإطفاء جزء من الديون والمتأخرات القديمة المستحقة خلال العام الحالي والتي تقارب قيمتها عشرة مليارات دينار.[6]

وحول حدود قدرة الاقتصاد على الاستدانة، يرى الكتوت أن المسؤولين عن المالية العامة لا يرون مشكلة في استمرار الوضع الحالي الذي يتنامى معه عبء الدين العام على الاقتصاد الوطني ويقف حجر عثرة أمام إصلاحه وتنميته، بالأخص أن صندوق النقد الذي يقدم الرعاية والمساعدة المشروطة سياسيًا يوافق ويدعم تجميل هذا العبء إحصائيًا في إطار خلق جدارة ائتمانية وهمية، ما سيؤدي إلى توريط الاقتصاد أكثر فأكثر في المديونية. ويمكن قراءة ذلك في الموازنات المالية التي تعيد إنتاج الاختلالات الاقتصادية، ولا تضع في الاعتبار حالة عدم الاستقرار الدولي والإقليمي وما يمكن أن تحدثه من أثر على التدفقات النقدية من الخارج بما فيها المساعدات والمنح وحوالات المغتربين.

لذا يرى الكتوت أن مقارنة مسار المديونية الأردني بنظرائه في الدول المتقدمة ذات المديونية العالية غير ذات معنى، فهذه الأخير -والتي بدأت الأسئلة تحوم حول مدى منطقية نمو مديونيتها- تمتلك موارد وقواعد إنتاجية ضخمة جدًا، ونفوذًا سياسيًا وعسكريًا أحيانًا على المستويين الإقليمي والدولي، فضلًا عن أنظمة نقدية أكثر تماسكًا واستقلالية من حيث التحكم بسعر العملة لمراعاة الأنشطة التجارية والحاجات التمويلية.

ويتفق الرجوب نسبيًا مع هذه الفكرة، فرغم عدم وجود إجماع عالمي على النسبة الآمنة للدين من الناتج المحلي الإجمالي، فإنه لا يجوز مقارنة مسار تطور الدين بين الدول اعتباطيًا، إذ لا بد أن تكون المقارنة بين دول تتشابه في ظروفها الاقتصادية حتى تكون موضوعية. فمثلا، لا يجوز مقارنة نسبة الدين في الأردن بتلك في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، لأن تلك الدول صناعية بامتياز، وتتفوق في حجم القاعدة الإنتاجية، كما أن حجم الصادرات فيها ضخم ومتنوع وتغلبه الصادرات الصناعية والتكنولوجية والغذائية.

في المحصلة، تبدو الإشكالية أعمق من مجرد أرقام عجز ومديونية، فحين تنحصر السياسات المالية في إدارة العجوزات المالية المتنامية بمنطق محاسبي قائم على تقدير التدفقات النقدية المتوقعة من الداخل أو الخارج، تتراجع فكرة الدور التنموي للمؤسسات الحكومية إلى الهامش، ويصبح الهدف هو ضبط المؤشرات وتدبير السيولة، لا إعادة تشكيل البنية الاقتصادية بما يفضي إلى خفض العجز ضمن إطار زمني واضح. وبدل أن تُرفد المالية العامة بإيرادات ناتجة عن توسع حقيقي، يُعتمَد على توسيع الوعاء الضريبي أو تضخيم الأنشطة غير الإنتاجية من أجل توليد قيمة مضافة آنيًا، دون أن يعاد استثمارها في قطاعاتٍ قادرة على خلق نمو طويل الأمد.

يمكن القول إنه من غير الواقعي شطب خيار التمويل بالعجز أو الإنفاق بالدين، فالدين أداة مالية مستخدمة عالميًا ويمكن أن يكون رافعة لتوسيع الإنتاج وتطوير الاقتصاد إذا أُدير تنمويًا وليس فقط كوسيلة لسد النفقات الجارية. بعيدًا عن المقاربات التي تبرر استمرار المسار التصاعدي للمديونية عبر مقارنته بنظرائه في الدول الصناعية الكبرى، متجاهلةً الفوارق التاريخية والاقتصادية والبنيوية في حجم الموارد والإنتاج.

مشاركة:
\n

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤