ديميتري بريجع: طهران لا تفاوض وحدها.. موسكو وبكين في قلب الاشتباك مع الولايات المتحدة
بغداد اليوم – خاص
قال الباحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية، ديميتري بريجع، اليوم الثلاثاء ( 28 نيسان 2026)، إن "زيارة عباس عراقجي إلى روسيا لا يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة بروتوكولية عادية"، خاصة في هذا التوقيت الحساس من تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، بل تندرج ضمن تحرك دبلوماسي إيراني مركب تحاول من خلاله إيران إعادة ترتيب أوراقها في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملفات التصعيد في المنطقة، والصراع الفلسطيني، والتوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة.
وأضاف بريجع، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، أن "الجولة التي شملت عُمان وباكستان ثم روسيا، تكشف أن طهران تتحرك على ثلاثة مستويات متزامنة":
أولًا: مستوى الوساطة؛
ثانيًا: مستوى أمن الخليج ومضيق هرمز؛
وثالثًا: مستوى البحث عن دعم سياسي واستراتيجي من قوى كبرى مثل روسيا والصين.
وأشار بريجع إلى أن "عُمان تاريخيًا تمثل طرفًا مباشرًا في معادلة أمن الملاحة والاستقرار في الخليج، بحكم موقعها الجغرافي على مضيق هرمز"، لذلك فإن "إدراجها في هذه الجولة يؤكد أن طهران لا تسعى إلى إغلاق باب التفاوض بشكل كامل، بل تتركه مفتوحًا بشروط تحفظ لها ماء الوجه".
وأضاف أن زيارة عراقجي إلى باكستان تحمل أهمية خاصة، إذ تحاول إيران من خلالها إدخال وسيط إقليمي مسلم يمتلك علاقات متشابكة مع واشنطن وطهران ودول الخليج. ورغم أن "باكستان ليست محايدة بالمعنى الكلاسيكي"، إلا أنها "تملك القدرة على التواصل مع أطراف متعددة"، ما يؤهلها للعب دور "صندوق الرسائل" بين إيران والولايات المتحدة، خاصة في حال تعثر القنوات المباشرة أو العُمانية.
وأوضح بريجع أنه "في المقابل، يواجه دونالد ترامب معضلة حقيقية في التعامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، مشيرًا إلى أن إيران تعتمد على ما يمكن تسميته "دبلوماسية البازار"، القائمة على المماطلة والمناورة لكسب الوقت وتعظيم المكاسب، وأن خلفية عراقجي المرتبطة بعائلة تجارية تعكس هذا النمط التفاوضي القائم على الصبر والضغط التدريجي.
وأكد بريجع أن "زيارة روسيا تحمل دلالات سياسية أعمق"، إذ تدرك طهران أن "أي تفاوض جاد مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يكتمل عبر الوسطاء الإقليميين فقط"، بل يحتاج إلى غطاء دولي يحد من قدرة واشنطن على فرض شروطها. وهنا تبرز روسيا، إلى جانب الصين، كقوى قادرة على موازنة هذا الضغط. وفي هذا السياق، تكتسب موسكو أهمية خاصة، باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لإيران وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، فضلًا عن علاقاتها المعقدة مع الغرب وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف عندما تتقاطع المصالح.
كما طُرح سابقًا مقترح من ألكسندر لوكاشينكو لاستضافة بيلاروسيا جولة مفاوضات بين واشنطن وطهران، ما يعكس احتمالية توسيع مسارات التفاوض جغرافيًا وسياسيًا.
وشدد بريجع على أن "روسيا بدورها لا تتحرك فقط بدافع دعم إيران"، بل انطلاقًا من مصالحها الاستراتيجية، حيث تسعى إلى تثبيت موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه في ملفات الشرق الأوسط، سواء في إيران أو سوريا أو أمن الطاقة أو موازنة النفوذ الأمريكي. ومن هذا المنطلق، قد تستثمر موسكو زيارة عراقجي في طرح معادلات أمنية جديدة في الخليج، أو في أي تسوية محتملة، بحيث لا تمر دون أخذ الموقف الروسي بعين الاعتبار.
وأضاف بريجع أن إيران تسعى من خلال هذه الجولة إلى إيصال رسائل متعددة، منها أنها "تمتلك قنوات متنوعة"، وسندًا روسيًا، وورقة باكستان، إضافة إلى أوراق جغرافية حساسة مثل مضيق هرمز. وهذه الرسائل موجهة إلى واشنطن، كما هي موجهة إلى الداخل الإيراني، للتأكيد على أن "إيران ليست معزولة، وأنها قادرة على المناورة بين الوساطة والضغط والردع".
واختتم الباحث في الشؤون الروسية والشرق أوسطية حديثه بأن "الملف النووي في قلب المشهد، لكن الجديد هو محاولة طهران ربطه بسلة أوسع من القضايا، تشمل أمن الملاحة، والعقوبات، والضمانات، ووقف التصعيد، والاعتراف بدورها الإقليمي". في المقابل، تميل واشنطن إلى وضع الملف النووي في مقدمة التفاوض، بينما تصر إيران على أن "الأمن لا يتجزأ، وأن أي مفاوضات يجب أن تنطلق من معالجة الضغوط العسكرية والاقتصادية قبل الانتقال إلى الجوانب التقنية والسياسية".
وبناءً على ذلك، تعكس زيارة عراقجي إلى روسيا محاولة إيرانية لرفع مستوى التفاوض من مجرد حوار تقني إلى معادلة سياسية شاملة تتعلق بالأمن الإقليمي. كما تشير إلى أن "الضغط الأمريكي لا يدفع طهران نحو التنازل"، بل نحو توسيع شبكات تحالفاتها وتدويل الأزمة. وفي المحصلة، يمكن القول إن هذه الجولة تندرج ضمن إطار إدارة الأزمة، أكثر من كونها بحثًا فعليًا عن حلول نهائية.





