ما فعله هوكني في هذا المعرض يتطلب فنانا من طراز خاص، عميق الرؤية قوي البنية ومسترسل في عاطفته. على الطريقة الصينية التي تعود إلى القرن الحادي عشر، رسم جداريته التي تمتد على مساحة يبلغ طولها أكثر من 300 قدم. ذلك هو عمله الذي أنجزه عام 2000 عن الفصول الأربعة وعنوانه "عام في النورماندي" بتقنية الرسم على "الآيباد" حيث أنتج مئة لوحة رقمية على طريقة الانطباعيين في أسلوبهم في ملاحقة تغيرات الطبيعة حسب الفصول.

أفكار أخرى عن الرسم
مع كل معرض جديد يقيمه هوكني، يعيد إلى الأذهان مقولة الفتى الذي أعاد إحياء الرسم الحديث من خلال ولعه بأشكال الجمال التقليدية. لم يلتفت إلى ما يحدث من حوله من حركات فنية متمردة كانت تهدف بشكل أساس إلى ربط الفن بالسياسة وشعاراتها. كانت ثقته بالجمال، وإن أكسبته نوعا من العزلة، مصدر طمأنينة إلى أن الفن النبيل قادر على مقاومة حالة الطوارئ التي فرضتها الحروب والصراعات الطبقية. أيعني ذلك أن هوكني نجا بفنه على حساب إنسانية وضعت رهان التغيير في سلة السياسة، من جهة كونها ممارسة للوصول إلى نوع من العدالة الاجتماعية؟ ذلك سؤال يحمل في طياته الكثير من الألغام التي ما كان لهوكني وفنه أن يتعرضا لخطرها لأنهما يقفان في مكان بعيد.

في كل مراحله، كانت المرحلة التي أقام فيها بكاليفورنيا أهمها، احتفت أعماله بالمشاهد المنزلية بما تضمنته من حياة هادئة ومرفهة كانت انعكاسا لقفزة اقتصادية شملت تداعياتها الايجابية الجميع بعد خمسينات القرن الماضي على الرغم من أن هوكني نفسه لم يعبأ كثيرا بما كان الآخرون يعتبرونه كابوسا. علاقته بالرسام الإيرلندي البريطاني فرنسيس بيكون (1909 ــ 1992) كانت وثيقة وفي الوقت نفسه ربطته صداقة عظيمة بالرسام النمساوي البريطاني لوسيان فرويد (1922 ــ 2011)، وهما الرسامان اللذان انطوت أعمالهما على قلق وجودي حاد على الرغم من اختلافهما الأسلوبي في معالجته. نظر هوكني بإعجاب ومحبة إلى تجربتي صديقيه غير أنه لم يتأثر بهما. أسره أن يستمر في شفافيته ولم يكن استعراضيا في نقائه وهو ما يجعل من تجربته الشخصية بوصلة للتعبير عن طريقة نظره إلى العالم.










