دمشق.. ما رسائل دعم “حماس” في ساحة الأمويين
بعد فتور شعبي دام لأكثر من عام، شهدت دمشق وعدد من المدن والقرى والبلدات السورية خلال الأسابيع الأخيرة عودة لافتة للحراك الشعبي الداعم للقضية الفلسطينية، وخرجت مسيرات تضامنية تنديدًا بجرائم إسرائيل ضد فلسطينيي غزة، ورفضًا للحديث عن إعدام الأسرى الفلسطينيين، وإغلاق المسجد الأقصى بوجه المصلين.
ونفذ السوريون، الجمعة 3 من نيسان، وقفة في ساحة الأمويين، تنديدًا بقرار إعدام الأسرى الفلسطينين الذي صادق عليه الكنيست الإسرائيلي.
وسجلت العدسات رفع علم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) لأول مرة في الساحة منذ سقوط النظام، ما أثار تساؤلات حول دلالاته السياسية، خاصة في ظل القطيعة التي شهدتها العلاقة بين دمشق والفصائل الفلسطينية منذ 8 كانون الأول 2024.
وطالت التساؤلات أيضًا، ما إذا كان هناك تغير في المزاج الشعبي السوري لإعادة الاعتبار لرمزية فلسطين والقدس وغزة، أو أن هناك تغيرًا في موقف الحكومة السورية في مرحلتها الانتقالية تجاه الفصائل الفلسطينية بعد إغلاق مكاتبها ومنع نشاطها العلني، أم أن هذه القضية تمثل ورقة ضغط من قبل الحكومة سواء على الولايات المتحدة أو إسرائيل.

مسيرة تضامنية في أشرفية صحنايا بريف دمشق للوقوف مع الشعب الفلسطيني والتنديد بقرار الكنيست الإسرائيلي إعدام الأسرى الفلسطينيين – 3 نيسان 2026 (عنب بلدي/وسيم العدوي)
محلل سياسي: رفع علم “حماس” لا يعبّر عن عودة فعلية
يرى الباحث والمحلل السياسي السوري فراس علاوي أن رفع علم حركة “حماس” في ساحة الأمويين لا يمكن اعتباره مؤشرًا على عودة الحركة إلى دمشق، بل هو مبادرة فردية لا تحمل أي صفة رسمية أو تبنٍ من أي طرف، سواء من الحركة أو من القيادة السورية الجديدة.
وأكد علاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة في وجدان وضمير السوريين، لكنها اليوم تُدار ضمن أولويات وظروف مختلفة، في ظل تغيّر البيئة السياسية واعتماد مقاربات جديدة من قبل الحكومة السورية تتماشى مع المتغيرات الإقليمية ومسار الانخراط العربي للسلام مع إسرائيل.
وربما تتراوح المسيرات بين التعبير الشعبي والرسائل السياسية، من خلال تخفيف الاحتقان الضغط الداخلي وتوجيه رسائل خارجية محسوبة، قال علاوي، فالمسيرات الداعمة لفلسطين قد تحمل أبعادًا متعددة، فهي تعبير عن نبض الشارع، وفي الوقت ذاته قد تُستخدم كأداة دعم أو ورقة ضغط بيد الحكومة السورية في أي مسار تفاوضي، بما في ذلك الملفات المرتبطة بإسرائيل.
سوريا تتجنب التصعيد ولا تعود لسياسات الماضي
وأشار المحلل السياسي السوري إلى أن هذه التحركات قد تُفهم كرسائل غير مباشرة تُظهر أن القضية الفلسطينية لا تزال حاضرة في سوريا، مع الحفاظ على توازن دقيق يضمن عدم الانزلاق إلى التصعيد، وفي الوقت نفسه الاستجابة لمشاعر الشارع.
سوريا في المرحلة الحالية ليست في وارد إعادة فتح مكاتب الفصائل الفلسطينية، بحسب علاوي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران و”حزب الله”، واحتمالات المواجهة مع إسرائيل.
وشدد المحلل على أن أي خطوة من هذا النوع قد تُعرّض تلك سوريا والمكاتب الفلسطينية (إذا تم إعادة افتتاحها) للاستهداف، ما يدفع الحكومة السورية في المرحلة الانتقالية إلى تبني سياسة حذرة تختلف جذريًا عن أسلوب النظام السابق، وتقوم على مقاربة جديدة تتناسب مع المتغيرات الإقليمية.
وتبرز القضية الفسطينية لدى الشارع السوري حاليًا، كمعادلة صعبة في مرحلة انتقالية حساسة، حيث يختتم بالتأكيد على أن التباين بين الحراك الشعبي والسياسات الرسمية يعكس تعقيد المرحلة الانتقالية في سوريا، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار والاستجابة لنبض الشارع.
طلبات أمريكية ورد سوري
سربت مجلة “المجلة” السعودية، في نيسان 2025، ثمانية شروط أمريكية لرفع العقوبات عن سوريا وإعادة العلاقات الدبلوماسية، ومن بينها “إصدار إعلان رسمي عام يحظر جميع الميليشيات الفلسطينية والأنشطة السياسية، وترحيل أعضائها، لتهدئة المخاوف الإسرائيلية”.
وأعقب ذلك رد سوري، عبر رسالة من أربع صفحات، إلى الولايات المتحدة، كشفت عنها “رويترز“، آنذاك، جاء فيها أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، شكّل لجنة “لمراقبة أنشطة الفصائل الفلسطينية”، وأنه لن يُسمح للفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة بالعمل.
خريطة الوجود الفلسطيني الفصائلي
كان الوجود الفلسطيني قبل سقوط النظام السابق، يتمثل بقرابة 20 فصيلًا فلسطينيًا، بحسب مركز “جسور“، بعضها له وجود سياسي وعسكري، ولبعضها الآخر وجود سياسي فقط.
وتختلف هذه الفصائل فيما بينها من ناحية مصادر التمويل ودرجة الارتباط بالنظام السوري والفاعلية في فلسطين، وتموضعها بعد حرب غزة التي اندلعت بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 من تشرين الأول 2023.
تمتعت فصائل فلسطينية بعلاقات وثيقة مع نظام الأسد، واعتبرت جزءًا من جهازه الأمني اعتمدت عليه بالتمويل والتسليح ومنها:
- قوات الجليل.
- سرايا العودة والتحرير.
- الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة).
- حركة فتح الانتفاضة.
- لواء القدس.
- اللجان الشعبية.
- منظمة الصاعقة- الذراع العسكرية لحزب البعث الفلسطيني.
- جبهة النضال الشعبي الفلسطيني.
- فلسطين حرة.
بينما بقيت “حركة المقاومة الإسلامية” (حماس) دون تمثيل سياسي أو عسكري طيلة السنوات السابقة في سوريا على خلفية الموقف مطلع الثورة السورية.
وعلى الرغم من ضلوع الفصائل الفلسطينية الموالية لنظام الأسد في ارتكاب جرائم على الأراضي السورية، فإن معظمها لم يغادر الأراضي السورية بعد سقوط النظام، واقتصر الأمر على مغادرة بعض القيادات من الصفين الأول والثاني.
في كانون الأول 2024، نقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصدر في حركة “فتح الانتفاضة”، أن إدارة العمليات العسكرية استولت، في الشهر نفسه، على مقر “قيادة الصاعقة” العسكري في منطقة العباسيين بدمشق، ومكتب أحمد جبريل، إضافة إلى مقر العقيد زياد الصغير مسؤول حركة “فتح الانتفاضة”.
بينما هرب قياديو المجموعات الفلسطينية التي نشأت مع اندلاع الثورة السورية إلى لبنان، في محاولة لتسوية أوضاع بعضهم مع السلطات الجديدة في دمشق، بعد تسليم المعسكرات وسحب جميع الأسلحة والاكتفاء بحمل السلاح الفردي داخل مكاتبهم.
إلا أن منصة “قدس برس”، نقلت عن مصادر إعلامية فلسطينية، أن السلطات السورية الجديدة وضعت قادة عدد من الفصائل الفلسطينية الذين قاتلوا إلى جانب النظام تحت الإقامة الجبرية في دمشق، ومن بينهم محمد سعيد (قائد لواء القدس الفلسطيني)، مشيرة إلى أن هذه الاجراءات مؤقتة.
في المقابل، اتخذت عدد من الفصائل الفلسطينية إجراءات تنظيمية، إذ أعلنت “الجبهة الشعبية- القيادة العامة” تجميد عضوية خالد جبريل من اللجنة المركزية بسبب مخالفات تنظيمية ومالية جسيمة، وإحالته إلى لجنة تحقيق، حسب “مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا”.
بينما جمَّد الأمين العام لحركة “فتح الانتفاضة” عمل اللجنة المركزية للحركة، وفصل قياديين بارزين، هما رميض أبو هاني في لبنان، وياسر أبو عمر في سوريا، بسبب المخالفات لأنظمة الحركة، بينما أعفت اللجنة المركزية للحركة زياد عودة الصغير أبو ياسر من منصب الأمين العام بسبب المخالفات التنظيمية.
أما منظمة “الصاعقة” فأزالت اسم حزب “البعث” من المعرفات الرسمية لتقتصر على تسمية منظمة “الصاعقة”، بينما أعلن الأمين العام للمنظمة إعادة تشكيل قيادة المنظمة لتعزيز دورها الفلسطيني.
أما حركة “فلسطين الحرة” فقد استأنفت عملها الإنساني بعد سقوط النظام السابق، الموجه للاجئين الفلسطينيين في سوريا، وأعلنت تبرؤها من شخصيات كانت تقود الحركة، وهما سائد عبد العال وعبد القادر حيفاوي، لأنهما لم يكونا ممثلين رسميين للحركة، معتبرة أن تعيينهما كان بيد النظام السوري السابق.
اعتقال قياديين بـ”الجهاد الإسلامي”
هز خبر اعتقال الأمن السوري قياديين في حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية، في نيسان 2025، الأوساط السورية والعربية، وتراوحت ردود الفعل في ذلك الوقت بين مؤيد للفكرة على افتراض أن “الجهاد” لها علاقات وثيقة مع إيران، وجرى الاعتقال بناء على ما قيل إنه “تخابر معها”، وبين من وصف القرار بـ”الخيانة للدم الفلسطيني”، كما قال الباحث بالشأن الفلسطيني سعيد زياد، على حسابه بمنصة “إكس” آنذاك.
قيادي في “الجهاد الإسلامي” (لم يفصح عن هويته) نفى حينذاك لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية أن يكون للموضوع علاقة بإيران إذ قال، “علاقة حركة (الجهاد الإسلامي) بإيران معروفة للجميع، والتواصل يتم فقط بين قيادة الحركة وإيران، وليس بين عناصر من الحركة وإيران”، مؤكدًا أن “العناصر ليس لهم تواصل مباشر مع إيران”.
وبعيدًا عن حركة “الجهاد الإسلامي” التي يقتصر عملها في سوريا على الجهد الإنساني والإغاثي، بحسب ما تقوله، يبقى مصير الفصائل الفلسطينية في البلاد مثارًا للتساؤل، خصوصًا أن لتلك الفصائل حضورًا قويًا بالمخيمات الفلسطينية في سوريا.





