دفعة واشنطن في ليبيا: عناوين الآن، وتنفيذ غامض لاحقاً
منصة فواصل الاخبارية |
بعد عام كامل من تولي مسعد بولس منصب المستشار الخاص للرئيس دونالد ترامب للشؤون الأفريقية والعربية، باتت ليبيا الملف الوحيد الذي يصمم فيه على انتزاع عناوين لافتة.
فبخلاف سائر الدول التي تعصف بها الأزمات، تنفرد ليبيا بثروة طائلة وعدد سكان محدود تحت قيادة ممزقة، يشاع أنها تُختزل في عائلتين لا غير: عائلة حفتر في بنغازي وعائلة الدبيبة في طرابلس. وهذا التوصيف المبسّط لبلد لم يعرف الحرب منذ نحو ست سنوات يجعل الجمود السياسي يبدو يسير الحل. ومن هنا يسهل إدراك كيف يعتقد مبعوث أمريكي أنه قادر على انتزاع سلسلة من الإعلانات اللافتة دون كبير عناء.
تقوم الاستراتيجية الأمريكية على ثلاثة مسارات: عسكري واقتصادي وسياسي. وفي كل مسار منها، وأيّاً كانت ضخامة العناوين، فإن العبرة بما سيتكشف من تنفيذ خلال الأشهر المقبلة. وقد أُزيح الستار حتى الآن عن مسارين، العسكري والاقتصادي، فيما لا يزال الثالث، أي المسار السياسي، معلّقاً.
على المسار الأمني، قُدّم التمرين المشترك الذي جرى في سرت في منتصف أبريل، والذي جمع وحدات تحت إمرة وكيل وزارة الدفاع في طرابلس عبد السلام الزوبي، ووحدات تحت إمرة صدام حفتر في الشرق، باعتباره انطلاقة مسار توحيد المؤسسة العسكرية. بل إن البنتاغون عمد إلى استقدام مراسلين دوليين لضمان تغطية صحفية مشرّقة.
بيد أن أياماً معدودات من التدريبات لا تكفي لتوحيد جيش متصدع منذ عام 2011. ويتعيّن على المتابعين للشأن الأمني الليبي ألا يغيب عن بالهم أن اشتباكات عدة دامية وقعت في فزان منذ أواخر يناير. وفي هذا السياق، يبدو أن حركة تحرير الجنوب، بقيادة بركة وارداكو التباوي، تتلقى دعماً من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.
فضلاً عن ذلك، استهدفت ضربات جوية كبيرة بطائرات مسيّرة في 27 فبراير وحدات تابعة لصدام حفتر قرب الحدود النيجرية، مما يُنبئ بأن مواجهات من هذا الحجم قد تتوالى في فزان خلال الأشهر المقبلة.
صحيح أن التمرين المدعوم أمريكياً في سرت يمثل إنجازاً مفيداً، لكنه لا يشكل دليلاً على أن القوات المسلحة الليبية تسير في طريق إعادة التوحيد.
وعلى المسار الاقتصادي، سجّل بولس في 10 أبريل توقيعاً لافتاً: إطاراً موحداً للإنفاق التنموي بين الشرق والغرب، باركه مصرف ليبيا المركزي. وهو ليس قانوناً صوّت عليه البرلمان، بل مجرد وثيقة سياسية قابلة للتنفيذ أو للإهمال، خلت من أي إصلاح هيكلي أو آلية تضمن نزاهة تطبيقها.
كما أن افتراضها سعراً للنفط عند 70 دولاراً للبرميل، وهو أدنى بكثير من أسعار السوق الراهنة، طمأن الأطراف جميعاً إلى أنها ستحتفظ بهامش مناورة سخي. وهذا ما يسّر التوقيع عليها.
أما المسار السياسي فلم يُكشف عنه بعد. وحتى ذلك الحين، ستتجنب واشنطن إغضاب أيّ من العائلتين الحاكمتين اللتين تحتاج إلى قبولهما في الوقت الحاضر.
ولذلك فإن الأمريكيين لا يضغطون، في هذه المرحلة، على قادة الشرق أو الغرب بشأن ممارساتهم الفاسدة.
والموضع الوحيد الذي أبدت فيه واشنطن حزماً حقيقياً وليس مجرد مظاهر سطحية هو المعالجة المالية للمؤسسة الوطنية للنفط. فكما تقف الأمور الآن، من المرجح أن ييسّر الأمريكيون حصول المؤسسة على ما لا يقل عن تسعة مليارات دولار في عام 2026، بما في ذلك قرض دولاري من المصرف الليبي الخارجي وتمويل استثنائي لمشاريع استراتيجية.
ويشترط اتفاق العاشر من أبريل صراحةً أن تُسلَّم أي وفورات ناجمة عن تجاوز أسعار النفط حاجز الـ70 دولاراً إلى المؤسسة الوطنية للنفط لأغراض زيادة الإنتاج، لا لتغذية الاحتياطيات الأجنبية لليبيا، التي تسجل عجزاً بالعملة الصعبة بعدة مليارات من الدولارات سنوياً منذ عام 2023.
وتدرك واشنطن تمام الإدراك أن حصة معتبرة من هذه الدولارات ستتسرب إلى جيوب النخب الليبية. ويبدو أن الحساب الأمريكي يقوم على أنه إذا حُشيت المؤسسة الوطنية للنفط إلى حدّ التخمة، فإن ما يتبقى بعد التسريب المرجّح سيظل كافياً لتمويل الاستثمارات والعقود وشروط التشغيل لصالح شركات النفط الأمريكية تحديداً، لا الشركات الأجنبية على عمومها، بل شيفرون وإكسون موبيل وكونوكو فيليبس ومجموعة من الشركات الأمريكية الأخرى، بما فيها الصغيرة.
وقد سبق أن نبّه عدد من الأصوات الليبية الرصينة إلى أن العلة الأخطر في إطار العاشر من أبريل أنه جرى تجميعه تحت رعاية أجنبية لا كثمرة إرادة وطنية. والرعاية الأجنبية لا تجعل الوثيقة ضارة بحد ذاتها؛ فالوثيقة خطوة مفيدة. بيد أنه لا قوة خارجية ستتعهد الاقتصاد الليبي نيابةً عن الليبيين، كما أن الشعور الراهن بالاطمئنان يكاد يتكئ بكامله على ارتفاع أسعار النفط، وهو ارتفاع لن يدوم إلى الأبد. نعم، تعافى الدينار في السوق الموازية من عشرة دنانير للدولار في فبراير إلى نحو ثمانية، غير أن هذا ليس أوان الاسترخاء: فقد آن الأوان ليستفيق الليبيون ويمسكوا بزمام اقتصادهم.
جلال حرشاوي
محلل تابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة
The post دفعة واشنطن في ليبيا: عناوين الآن، وتنفيذ غامض لاحقاً appeared first on منصة فواصل Fawasel Media.





