"دبلوماسية الميمز" الإيرانية.. كيف تحوّلت السفارات إلى منصات حرب رقمية مع واشنطن؟
متابعة/المدى
في خضم التصعيد بين طهران وواشنطن، لم تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، بل امتدت بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث برزت حسابات السفارات الإيرانية على منصة إكس كلاعب رئيسي في صياغة الرسائل السياسية والتأثير في الرأي العام الدولي.
القصة بدأت عندما حدّد دونالد ترامب مهلة لإيران للتوصل إلى اتفاق، ملوّحاً بضرب "جسور البلاد ومحطات الطاقة"، قبل أن ترد السفارة الإيرانية في زيمبابوي بسخرية لافتة عبر سؤال عن توقيت الهجوم، مقترحة تعديله إلى ساعات "أكثر ملاءمة"، في إشارة عكست طبيعة الخطاب الجديد.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، وما تلاها من وقف لإطلاق النار، تحولت الحسابات الدبلوماسية الإيرانية إلى منصات نشطة لبث رسائل سياسية غير تقليدية، جمعت بين السخرية و"الميمز" والتفاعل المباشر، بهدف التأثير في السرديات الإعلامية ومواجهة الخطاب الأمريكي.
وفي هذا السياق، أشار ترامب عبر منصته تروث سوشال إلى أن الإيرانيين "أكثر براعة في الإعلام والعلاقات العامة من القتال" في تعليق يعكس إدراكاً لفاعلية الحملة الرقمية الإيرانية.
ابتعاد عن اللغة التقليدية
مع تصاعد الأحداث، تخلّت الحسابات الإيرانية عن الخطاب الدبلوماسي الكلاسيكي، واتجهت إلى استخدام الفكاهة والانتقاد الحاد، في محاولة لتقويض الروايات المناهضة لها، وإعادة تقديم صورة إيران على الساحة الدولية، خاصة بعد فترة قصيرة من احتجاجات داخلية واسعة.
وبرزت عدة بعثات دبلوماسية في هذا النشاط، لا سيما في جنوب أفريقيا وزيمبابوي والهند واليابان، حيث تنسّقت الرسائل من حيث التوقيت والمضمون، ضمن شبكة تضم نحو 130 حساباً رسمياً تابعاً لوزارة الخارجية الإيرانية.
وكانت بعثة جنوب أفريقيا الأكثر حضوراً، إذ جذبت تفاعلاً واسعاً عبر محتوى ساخر وانتقادي للسياسات الأمريكية، في وقت استهدفت فيه الحملة جمهوراً خارجياً، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على الإنترنت داخل إيران.
جمهور خارجي ورسائل موجهة
تركزت الرسائل المنشورة باللغة الإنجليزية، واستهدفت فئات محددة، مثل المناهضين للحروب داخل الولايات المتحدة، وجمهور "الجنوب العالمي"، إضافة إلى الشباب والمستخدمين المتشككين في السياسات الأمريكية.
وتنوعت الأساليب بين السخرية والمقاطع المؤثرة، وصولاً إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد تحمل طابعاً إنسانياً، خصوصاً في تصوير آثار الضربات العسكرية.
كما شملت الحملة التهكّم على تصريحات مسؤولين أمريكيين، بينهم ترامب، إضافة إلى التفاعل مع تهديدات مرتبطة بمضيق مضيق هرمز بأسلوب ساخر انتشر على نطاق واسع.
وفي موازاة ذلك، استخدمت بعض المواد إشارات تاريخية وثقافية للتأكيد على عمق الحضارة الإيرانية، بينما تحوّل الخطاب بعد وقف إطلاق النار إلى التركيز على "الصمود" و"الانتصار".
الذكاء الاصطناعي و"ليغو" في المعركة
لم تقتصر الحملة على الحسابات الرسمية، بل شارك فيها مسؤولون وشخصيات عامة، من بينهم محمد باقر قاليباف، الذي استخدم في البداية لغة حادة قبل أن يتحول إلى خطاب أكثر رسمية خلال المفاوضات.
كما برزت مقاطع رسوم متحركة بأسلوب "ليغو"، انتشرت على منصات التواصل، تحمل رسائل سياسية مبسطة ومباشرة، موجهة بشكل خاص إلى الجمهور الأمريكي، مع استخدام موسيقى وتقنيات حديثة لتعزيز الانتشار.
وظهرت أيضاً مواد تربط بين ترامب وقضايا مثيرة للجدل، من بينها علاقته بـ جيفري إبستين، في إطار حملة أوسع تستهدف صورته.
تأثير يصعب قياسه
ورغم صعوبة قياس التأثير الفعلي لهذه الحملة داخل الولايات المتحدة، إلا أن المؤشرات تظهر أنها نجحت في بعض الأحيان في منافسة الخطاب الرقمي لترامب نفسه، وهو أحد أكثر الشخصيات حضوراً وتأثيراً على الإنترنت.
وبينما تستمر المواجهة السياسية، يبدو أن ساحة "الحرب الرقمية"، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات الصراع، حيث تختلط الدبلوماسية بالتقنيات الحديثة، وتتحول "الميمز" إلى وسيلة نفوذ لا تقل أهمية عن الخطابات الرسمية.
The post "دبلوماسية الميمز" الإيرانية.. كيف تحوّلت السفارات إلى منصات حرب رقمية مع واشنطن؟ appeared first on جريدة المدى.





