حسابات بكين الاستراتيجية
على الصعيدين الاستراتيجي والدبلوماسي، تتيح الحرب فرصاً محدودة، لكنها تنطوي في الوقت نفسه على جملة من التهديدات المحتملة. فالهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، إذا نجح في إحداث تغيير في النظام إذا انهارت الهدنة الراهنة، قد يحرم الصين من حليف رئيس، بما يعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي لعقود مقبلة. وحتى الوقت الحاضر، تراجع خطر الانهيار الفوري للنظام، كما منح إغلاق مضيق هرمز إيران قدراً من النفوذ. غير أنه حتى إذا تمكنت من الصمود، سيظل اقتصاد الجمهورية الإسلامية منهكاً، كما ستعاني أجهزتها الأمنية من الاستنزاف. وسيبقى خطر اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات قائماً. وسيظل شبح موجة احتجاجات جديدة يلوح في الأفق، كما سيظل خطر استئناف الأعمال العدائية قائما في المستقبل. ومن هذا المنطلق، تجد بكين نفسها أمام دوافع حقيقية تدفعها إلى تثبيط أي تصعيد عسكري جديد، والعمل على مساعدة طهران في التوصل إلى تسوية تحول دون تجدد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.
ومن جهة أخرى، قد تستفيد بكين من جمود الصراع، ولا سيما إذا ضاعفت الولايات المتحدة دعمها للقوات البرية. فإذا تورطت واشنطن في الشرق الأوسط لسنوات، قد يتسع هامش الحركة أمام الصين لاستعراض قوتها في آسيا. كما أن سحب الولايات المتحدة بعض أصولها العسكرية من حلفائها الرئيسين في المنطقة، إلى جانب استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، قد يحد من جاهزيتها لأي مواجهة محتملة مع الصين، مثل سيناريو محاولة بكين فرض سيطرتها على تايوان بالقوة. ومع ذلك، من غير المرجح أن تسعى بكين إلى هذه النتيجة تحديداً في ضوء القيود الاقتصادية المشار إليها آنفاً. فجمود الصراع على المدى الطويل، وإن حمل مكاسب جيوسياسية، قد يخلّف تداعيات اقتصادية قاسية على الصين. وفي المحصلة، يبقى الهدف الأول لبكين الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

ونتيجة لذلك، تجد بكين نفسها مدفوعة إلى استغلال الحرب من دون السعي إلى إطالة أمدها. ويمكن تحقيق هذا التوازن عبر تقديم دعم محدود لإيران، يشمل إمدادات انتقائية من الأسلحة ومشاركة معلومات استخباراتية، بما يتيح للصين فرصة مراقبة القدرات العسكرية الأميركية عن كثب، وربما استخلاص دروس يمكن توظيفها في أي مواجهة مستقبلية مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، يسهم هذا الدعم في تمكين طهران من فرض كلفة أعلى على الولايات المتحدة، بما يعزز قدرتها على الضغط لدفع واشنطن نحو القبول بشروطها. وحتى في ظل وقف إطلاق النار، ستسعى بكين على الأرجح إلى تعزيز منظومة الدفاع الإيرانية، حرصا على أن تُلحق أي جولة مقبلة من المواجهة أضراراً أكبر بالأصول العسكرية الأمريكية.
لكن حتى في هذا السياق، تواجه الصين جملة من القيود. أولاً، يتعين عليها مراعاة علاقاتها مع دول الخليج، إذ إن تقديم دعم علني للمجهود الحربي الإيراني قد يثير ردود فعل حادة في ظل استهداف إيران بعض هذه الدول. وثانياً، قد تؤدي أي محاولات واضحة وموثقة لدعم طهران إلى تشجيع التيار المتشدد في واشنطن، بما يهدد فرص التوصل إلى اتفاق تجاري مع إدارة دونالد ترمب. وحتى الوقت الحاضر، تنظر بكين إلى ترمب بوصفه فرصة أكثر من كونه عبئاً. فعلى الرغم من الحرب التجارية التي أطلقها، ظلت ضمن حدود يمكن احتواؤها، كما أبدى مراراً رغبته في إبرام اتفاق مع الصين بدلاً من المضي في التصعيد. ومن غير المرجح أن تغامر بكين بتقويض هذه الفرصة من أجل إيران، ولا سيما أنها تواجه قيوداً أكبر مقارنة بالفاعل الخارجي الآخر الذي يراقب المشهد من بعيد، وهو روسيا.










