“دع عدوّك يخطئ”: لماذا لا تتدخّل الصّين؟
دخلت الولايات المتّحدة الحرب على إيران وهي القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة العظمى على وجه الأرض، وستظلّ كذلك في اليوم التالي للحرب. لكنّ الصين تأمل أن يؤدّي التورّط الأميركيّ إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصاديّة والعسكريّة للقرن الحادي والعشرين، بشكل عميق.
كان صادماً تعبير الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بلا قفّازات عن رغبته بالسيطرة على موارد النفط الإيرانيّة (قال إنّه سيستخدمها لجعل حياة الإيرانيّين أفضل). ربّما تُشتقّ هذه الرغبة من نجاحه الخاطف في السيطرة على موارد النفط في فنزويلّا، التي ضمّها عمليّاً إلى كفّته في الميزان الاستراتيجيّ لموارد الطاقة.
لا تقاطع عدوّك
يرسخ في العقل الاستراتيجيّ الأميركيّ أنّ لدى الصين نقطة ضعف مركزيّة هي الاعتماد المفرط على استيراد الطاقة لتشغيل اقتصادها، إذ إنّها تستورد نحو 11.5 مليون برميل يوميّاً (أكثر من 70% من استهلاكها)، ونحو 130 مليون طن من الغاز سنويّاً (نحو 45% من استهلاكها)، بينما تعدّ الولايات المتّحدة صافي مصدّر للطاقة، إذ إنّها أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وأكبر مصدّر للغاز المسال. في حين أنّ أميركا لا تحتاج إلى النفط والغاز اللذين يمرّان في مضيق هرمز، يشكّل هذا المضيق معبراً لنحو 45% من واردات الصين النفطيّة، وقرابة 30% من وارداتها من الغاز المسال. لذلك لا يكفّ ترامب عن التلميح إلى أنّ إغلاق المضيق ليس مشكلة لأميركا بقدر ما هو مشكلة للصين.
على أنّ الأهمّ من ذلك أنّ ترامب يرى في السيطرة على المضيق والموارد الإيرانيّة سيطرة على زرّ التشغيل الذي يتحكّم بالاقتصاد الصينيّ كلّه. لا شكّ أنّ بكين تدرك هذا الخطر الاستراتيجيّ، ولذلك اتّخذت قراراً ببناء أكبر احتياطي استراتيجيّ للنفط في العالم، بما يتجاوز مليار برميل، وفق معظم التقديرات.
حتّى على المستوى العسكريّ، يعتقد ترامب أنّ القضاء على التهديد الإيرانيّ، ومن قبله الفنزويلّيّ، وربّما من بعده الكوبيّ، سيجعل الولايات المتّحدة اليد العليا في ميزان القوى مع الصين، استراتيجيّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً. ربّما لهذا السبب أجّل ترامب زيارته لبكين، بعدما كانت مقرّرة في 31 آذار، ربّما في انتظار أن تنجلي الحرب على إيران عن معطيات جديدة تقوّي موقفه التفاوضيّ.
لكن في مقابل ذلك، ما يرد من معلومات صحافيّة وكتابات بحثيّة من بكين يشير إلى أنّ صنّاع القرار فيها ينتهجون مقولة نابليون بونابرت: “لا تقاطع عدوّك عندما تجده يقترف خطأ”. لذلك تلتزم بكين الهدوء إزاء ما يجري في الشرق الأوسط، وتترك لأميركا أن تستنزف نفسها ماليّاً، وتكشف ما لديها من أوراق عسكريّة. لعلّها تأمل أن تعود واشنطن إلى الانشغال بالخليج على المدى الطويل، فتنفرِد ببسط نفوذها في بحر الصين، وتحتفظ بالفرصة لإنهاء الصراع مع تايوان على طريقتها.
من المنظار الصينيّ، يمكن للحرب الإيرانيّة أن ترسم مساراً للانحدار الأميركيّ من زاويتين أساسيّتين:
اقتصاديّاً وماليّاً:
لن تنتهي مفاعيل الحرب في يوم وقف إطلاق النار، بل ستحمل الخزينة الأميركيّة فاتورة التكاليف لعقود مقبلة، على شكل فوائد للديون المتزايدة. فقد أتت الحرب في توقيت بالغ الحساسيّة للاقتصاد الأميركيّ، إذ إنّ الميزانيّة الفدراليّة تعاني أصلاً من عجز شبه قياسيّ يصل إلى نحو 1.7 تريليون دولار سنويّاً، ويقارب نحو 6% من الناتج المحلّيّ الإجماليّ. لقد تجاوزت تكلفة خدمة الديون (الفوائد) خلال العام الماضي حاجز تريليون دولار. فيما تخوض أميركا الحرب، يطلب ترامب من الكونغرس الموافقة على تخصيص 200 مليار دولار إضافيّة لوزارة الحرب، وهو ما سيرفع العجز والدين الفدراليّ.
سيؤدّي ذلك حكماً إلى إصدار المزيد من أدوات الدين الأميركيّة في السنوات المقبلة، وربّما يؤدّي منطقيّاً إلى ضعف الدولار الأميركيّ واهتزاز الثقة الدوليّة به كعملة احتياط عالميّة وكعملةٍ مهيمنةٍ على التجارة العالميّة.
عسكريّاً:
“بفضل” الحرب، اضطرّت الولايات المتّحدة إلى سحب حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” من بحر الصين الجنوبيّ لتنضمّ إلى الأسطول الخامس في الشرق الأوسط، وسحبت معها منظومة قتاليّة كاملة. بذلك لم يبقَ في محيط الصين سوى حاملة الطائرات “جورج واشنطن” التي تخضع للصيانة في قاعدة يوكوسوكا اليابانيّة.
ثمّة سؤال طرحته “ذا إيكونوميست” في عددها قبل الأخير: هل تزيد حرب إيران خطر هجوم الصين على تايوان؟ لسنوات طويلة، كانت المعلومات المتداولة في واشنطن تشير إلى أنّ الصين تتجهّز بالفعل لغزو تايوان في 2027. لو صدقت تلك التنبّؤات لكان ذلك أكبر حدث جيوسياسيّ في الشرق الأقصى منذ الحرب الكوريّة، وربما منذ الحرب العالميّة الثانية.
هناك من يرى أنّ الحرب الإيرانيّة لم تخلق فرصة للصين فحسب، بل كشفت لها شيئاً أخطر، وهو أنّ الولايات المتّحدة، مع قوّتها الهائلة، لا تستطيع إدارة مسرحين استراتيجيَّين كبيرين في الوقت نفسه من دون أن تُفرغ أحدهما لمصلحة خصمها. مع ذلك، تلتزم الصين الهدوء ولا يبدو أنّها تتسرّع في انتهاز الفراغ.
ربّما الأهمّ بالنسبة للصين أنّ الحرب توفّر لها كنزاً من المعلومات، فقد وُضعت أنظمة الدفاع الجوّيّ الأميركيّة مثل باتريوت وTHAAD تحت اختبار عمليّ، وجرى قياس فعّاليّة تكتيكات الطائرات المسيّرة، وقدرات الحرب الإلكترونيّة، وسرعة الاستجابة اللوجستيّة عبر مسارح عمليّات متعدّدة. تُرصد هذه المعطيات وتُحلّل بدقّة عالية، وهو ما يتيح للصين بناء بنك معلومات استخباريّ بالغ القيمة عن الأداء الحقيقيّ للجيش الأميركيّ خارج بيئة المناورات. نتيجة لذلك، تتعزّز قدرة الصين على تطوير أنظمة مضادّة أكثر دقّة، صياغة استراتيجيات أكثر فاعليّة لتعطيل المنظومات الأميركيّة، وتقليص عنصر المفاجأة في أيّ مواجهة مستقبليّة محتملة.
كانت استراتيجية الأمن القوميّ التي نشرها البيت الأبيض أواخر العام الماضي واضحة في صرف الاهتمام عسكريّاً من الشرق الأوسط إلى شرق آسيا، لكنّ الحقائق الجيوسياسيّة فرضت أن يكون الشرق الأوسط في صلب التنافس الأميركيّ -الصينيّ، لعقدٍ آخر على الأقلّ، ولا يمكن النظر إلى الحرب على إيران خارج هذا الاعتبار.
The post “دع عدوّك يخطئ”: لماذا لا تتدخّل الصّين؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





