... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
261045 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 4677 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

د. ايهاب العابودي : تعليم (4): التجربة الألمانية في التعليم المزدوج

أخبارنا
2026/04/26 - 00:41 501 مشاهدة

بعد أن تكشّفت فجوة المهارة، وسقط وهم الشهادة بوصفه ضماناً للمستقبل، لم يعد مقبولاً أن يبقى الحديث عن الحل في دائرة العموميات. فالحل، حين يكون جاداً، لا يظهر في الشعارات ولا في النوايا، بل في نظامٍ يعمل، ويُقاس، ويُحاسَب. من هنا تبرز التجربة الألمانية في التعليم المزدوج، لا كنموذج مثالي يُحتفى به، بل كخيار واعٍ اتخذته دولة قررت أن تجعل المهارة سياسة عامة، لا شعاراً تربوياً. في هذا النظام، لا يُنظر إلى التعليم بوصفه مرحلة نظرية تسبق الحياة المهنية، بل بوصفه جزءاً أصيلاً منها. الطالب لا ينتظر التخرّج ليصطدم بسوق العمل، بل يدخل إليه مبكراً، بعقد تدريب واضح، ومسؤوليات محددة، وتقييم مستمر، بالتوازي مع دراسة مهنية منظّمة. المعرفة هنا لا تُكدَّس في الذاكرة انتظاراً لامتحان، بل تُختبر يومياً في بيئة إنتاج حقيقية، حيث الجودة، والانضباط، والوقت، ليست مفاهيم تُشرح، بل معايير تُمارَس. هذا الربط المؤسسي بين المدرسة والشركة ليس تفصيلاً إدارياً، بل جوهر تجربتهم. فالشهادة في نهاية المسار لا تُمنح لأنها استوفت متطلبات ورقية، بل لأنها تمثل كفاءة تحققت. ولهذا، تُقاس الجاهزية بقدرة المتدرّب على العمل ضمن منظومة قائمة، وتحمل المسؤولية، والتكيّف مع متطلبات المهنة، وليس بقدرته على استعادة الإجابة الصحيحة من الذاكرة. وحين ننظر إلى حجم هذا المسار، تتضح واقعيته وثباته. فبحسب بيانات المعهد الاتحادي الألماني للتعليم والتدريب المهني (BIBB)، تم حتى 30 أيلول/سبتمبر 2024 إبرام 486,700 عقد تدريب مهني ضمن النظام المزدوج، منها 473,400 عقد داخل الشركات. هذه الأرقام لا تُذكر للإبهار، بل لتأكيد أن الحديث عن المهارة هنا حديث عن منظومة راسخة، لا تجربة هامشية أو مؤقتة. أما أثر هذا الخيار على سوق العمل، فيظهر بوضوح عند قراءة مؤشرات التوظيف. فوفق تقرير Education and Training Monitor 2025 الصادر عن المفوضية الأوروبية، بلغ معدل توظيف خريجي التعليم والتدريب المهني الحديثين في ألمانيا 92.2 % خلال عام 2024، وهو من أعلى المعدلات في الاتحاد الأوروبي. هذه النسبة لا تعبّر عن نجاح تعليمي فحسب، بل عن قناة انتقال فعّالة من التعلّم إلى العمل، تقلّص المسافة بين الشهادة والوظيفة إلى حدّها الأدنى. ويزداد المشهد وضوحاً عند النظر إلى بطالة الشباب. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني (ديستاتيس) لشهر كانون الأول/ديسمبر 2025، بلغ معدل بطالة الشباب في ألمانيا 6.8 %، مقارنة بمتوسط أوروبي أعلى بكثير. لا تعني هذه النسبة غياب التحديات الاقتصادية، لكنها تعني أن الخريج الألماني لا يُترك في فراغ ما بعد التخرّج؛ لأن مساره التعليمي كان متصلاً بالواقع منذ بدايته. الركيزة الحقيقية لهذا النجاح لا تكمن في المناهج وحدها، بل في الشراكة الثلاثية التي يقوم عليها النظام: مدرسة تُدرّس، شركة تُدرّب، ودولة تضمن المعايير وتحمي الجودة. بهذه المعادلة، لا يتحول التدريب إلى استغلال، ولا تصبح المدرسة معزولة عن السوق، ولا تُلقى مسؤولية الجاهزية على الطالب وحده. الجميع شريك في إنتاج المهارة، والجميع مسؤول عنها. ومع ذلك، فإن البعد الأعمق للتجربة الألمانية يتجاوز التنظيم إلى الثقافة. فالتعليم المهني هناك ليس خياراً لمن «لم ينجح»، بل مسار محترم له وزن اقتصادي، وفرص للتدرج والترقية واضحة، ومكانة اجتماعية مستقرة. ومن دون هذا الغطاء الثقافي، تفقد أكثر الأنظمة إحكاماً قدرتها على الاستمرار. ومن هنا نرى، أن التجربة الألمانية لا تدعونا إلى استنساخ نموذجٍ جاهز، بل إلى استيعاب منطق الحل، أن تُبنى المهارة بوصفها مسؤولية مشتركة، وأن يكون الانتقال من التعليم إلى العمل مساراً مُصمَّماً، لا مغامرة فردية. ومع ذلك، فليست كل الدول التي نجحت سلكت طريق السوق أولاً؛ فبعضها بدأ من المدرسة نفسها، وجعل التعليم قراراً سيادياً يقود الاقتصاد، لا يتبعه.

وفي المقال القادم، ننتقل إلى تجربة أثبتت أن بناء المهارة يمكن أن يبدأ من الصف إذا كان القرار بحجم التحدّي.
ــ الدستور

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤