... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
213085 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7001 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

د. أسعد عبد الرحمن : في ذكرى أربعينه: وليد الخالدي الذي علّمني الكثير

أخبارنا
2026/04/19 - 02:26 501 مشاهدة

منذ قابلته، لأول مرة، في بيروت عام 1961؛ علمني الاستاذ وليد الخالدي الكثير رغم أنه لم يدرسني....وثمة استاذ يعلّمك داخل القاعة، أو في مكتبه او في رواق مفتوح، فتظل كلمته مستقرة في الأذهان—بل في العظام—عقودًا. كلماتٌ لا تُسمع فقط، بل تُسكن الجسد وتعيد ترتيب ما فيه. كان البروفسور الخالدي من هذا الصنف النادر.
لم آخذ معه (مادة) في الجامعة الأمريكية في بيروت، لم أجلس على مقعد دراسة في أي من صفوفه، ولم يُصحّح لي ورقة إمتحان. ومع ذلك، لا أجد في ذاكرتي أستاذًا أشد حضورًا منه. هذا هو اللغز الذي يفكّه القلم وأنا أكتب عنه، لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه أثرًا ما زال يعمل.
******************
في قلب الحركة الطلابية في الجامعة الأمريكية في بيروت، كنا نؤدي الطقس ذاته: ندعو أستاذًا يلقي محاضرة، نصفّق وننصرف مطمئنين أننا فعلنا شيئًا. طقسٌ يُشبه الإنجاز، ويمنحك راحته، دون أن يُنتج أثرًا حقيقيًا. استمر هذا الحال حتى أوقفني وليد الخالدي في مكتبه بجملة قاطعة، بهدوء فيه ما يشبه التوبيخ النبيل: "إلى متى؟ ليس لديكم إلا أن تستدعوا واحدًا منا—أنا أو الدكتور فايز الصايغ أو الأستاذ برهان الدجاني—لإلقاء محاضرة في ذكرى هذه المناسبة الوطنية الكبرى أو تلك"؟!
قلت، بما يشبه الاعتراف الذي يعرّي العجز: "ما إلنا غيركم".
قال: "من اليوم وطالع، بدنا إياكم أنتم تعملوا المحاضرات."
*****************
لم تكن نصيحة، كانت حكمًا. كان فيها غضبٌ مهذّب من جيل يرى جيلًا يليه يكتفي بالإنصات، ويظن أن التصفيق مشاركة. عرضت اقتراح الاستاذ وليد على الدكتور فايز الصايغ والأستاذ برهان الدجاني باسم (فرع اتحاد طلبة فلسطين في لبنان) الذي كنت أرأسه فتحمسا له. وكان ان انضم الى "التحرك" طالب زميل في الجامعة: هاني فارس أحد أصدقاء العمر، ذلك اللبناني العروبي و"الفلسطيني حتى النخاع". على أيديهم بدأنا نتدرّب على الكلام، لا بوصفه أداءً، بل مسؤولية تقتضي الغوص في المراجع.
ذلك التدريب تحوّل إلى الصفّ الأعمق في حياتي. هناك تعلّمنا – على أيدي المعلمين الثلاثة- أن الصوت ليس صدى، وأن الفكرة لا تولد كاملة، وأن في أعماقنا-وأعماق الأجيال- إمكانات يجب ان تستخرجلتؤدي دورها المنشود.
*******************
الدرس الثاني جاء في الفضاء نفسه، داخل الحركة الطلابية التي كانت ترى نفسها ضمير الأمة، كان امتحان آخر يتكوّن. كنت بصفتي "رئيس اتحاد الطلبة العرب في الجامعة" أقود المظاهرات في شوارع وساحات الجامعة، نهتف لفلسطين، ونطالب الزعيم جمال عبد الناصر بإغلاق مضيق تيران قبل حرب 1967، بثقة من يظنّ أن التاريخ يُدفع بالهتاف، وأن النصر مسألة وقت لا مسألة تعريف.
قطع هذا الاندفاع صوتٌ مختلف. في إحدى زياراتي شبه اليومية لمكتبه، خاطبني البروفسور وليد الخالدي ببرودة الخبير الذي يرى ما وراء الحماسة: "لا مصلحة لنا في هذه الحرب يا أسعد، إذ أننا غير مستعدين لها"!
عبارة لم ترق لي. كان المزاج العام مغمورًا بوعد النصر، وكانت الحرب تُقدَّم بوصفها نزهة، فصدّقنا. لم أفهم يومها كيف يمكن أن يقول استاذنا الخالدي: "لا" في لحظةٍ لا تسمح إلا بالتصفيق.
...وحقا، الزمن وحده يعيد ترتيب الفهم. بعد خروجي من السجون الإسرائيلية نهاية 1968، وفي بيت الدكتور طاهر كنعان في عمّان، وبحضوره، استعاد الدكتور وليد تلك اللحظة محدثا الحضور عن لقائنا في ذلك اليوم، ومضيفا:
"يومها يا أسعد، ولأن رأيي لم يعجبك... رأيت في عينيك ما آلمني..رأيت غضبة جيل."
لطالما كان استاذنا وليد يرى أبعد من لحظة الهتاف. كان يعرف أن المعركة ليست قرار اندفاع، بل تعريف معنى: متى نحارب؟ وكيف؟ وبأي استعداد وتخطيط ورواية؟ لم يكن رأيه رفضًا للمعركة، بل رفضًا لشروطها الخاطئة. لم يكن انسحابًا، بل تعريفًا مختلفًا للنصر.
*******************
ثم جاء الدرس الثالث وكان في أهمية البحث العلمي وبناء المؤسسات. مئة عام وعام عاشها الاستاذ وليد وهو يحاجج دون أن يتعب. مسيرته لا يمكن أن تُفهم دون ذلك الإيمان المركزي: أن المعركة على فلسطين هي معركة سردية. من يخسر الرواية يخسر قبل أن يحارب، ومن يترك تعريف نفسه لخصمه، يخسر حتى لو ربح جولة. في هذا السياق، حين كان المزاج العام يؤمن بالجيوش وحدها، اختار الاستاذ وليد، مع د.قسطنطين زريق وبرهان الدجاني، طريقًا مختلفا: مؤسسة. لا ميليشيا، لا خطاب عابر. عقلٌ منظّم. فكانت (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) في عام 1963. و"المؤسسة" —حين تُبنى بعقل— تكون الشكل الوحيد للمقاومة الذي لا تهزمه دبابة. ويحسب للبروفسور الخالدي، قبل ذلك التأسيس، كشفه سر "خطة دالت" (الخطة الصهيونية التي كانت اساساً لتهجير الفلسطينيين 8/1947)، في زمن كانت الحقيقة مدفونة. لم ينتظر أن يعترف بها الآخر، بل قدّم الدليل وتركه يعمل بصمت، كمن يزرع شجرة يعرف أن ظلها سيأتي متأخرًا.
********************
أما الدرس الرابع فكان حين حصلتُ على الدكتوراه في العلوم السياسية من "جامعة كالجري" في البرتا الكندية، ذهبت إليه طالبًا العمل إلى جانبه في "المؤسسة". نظر إليّ بذلك الصفاء الذي يسبق الجرح الضروري، وقال: "أسعد، أنا أحبك… لكنني أحب المؤسسة أكثر. تاريخك السياسي قد يكلّفنا ما لا تحتمله مؤسستنا/ مؤسستك!"
كان جوابًا نظيفًا كجرحٍ نظيف. آلمني، ثم فهمت. هكذا يفكّر من يبني مشروعًا لا يستخدمه. يضع الفكرة فوق العلاقة، ويعرف أن المحبة لا تُعفي من المسؤولية.
******************************
وجاء الدرس الخامس من خلال التمثل بسيرته ومسيرته:
استقال الاستاذ وليد من أكسفورد عام 1956 احتجاجًا على العدوان الثلاثي، حين كانت الاستقالة موقفًا لا حسابًا. أصدر عديد الكتب والدراسات فلمع منها: "كي لا ننسى" و"قبل الشتات"، ووثّق القرى المدمّرة بأسمائها، كمن يعيد تثبيت الجغرافيا في وجه المحو وكم ازداد اعجابي به حين علمت مبكراً (من مصادر موثوقة) ان الرئيس عبد الناصر كان قد اختاره مستشاراً (متبرعاً) له في الشأن الفلسطيني والاسرائيلي. شارك في مؤتمر مدريد دون أن يساوم على استقلاليته، لأنه كان يدرك أن أخطر خسارة ليست الأرض فقط، بل تعريفها. وفي هذا السياق، تذكرت ما لفتني في ذلك حواري الساخن ودفاعي امام الذين حققوا معي في معتقل صرفند الإسرائيلي: فتحت أقسى التحقيقات، كان اسم وليد الخالدي الاسم الوحيد الذي يُستدعى ...ومقرونًا بالتهجم وبالتكذيب. آه كم أزعجهم كشفه لـ (خطة دالت) التي وضعوها لاحتلال فلسطين. لم يكن ذلك تفصيلًا. ذلك أن مما اكتشفته لاحقاً، ان الجنرال (شلومو غازيت، قائد "المنطقة الوسطى" الذي أصبح حاكم الضفة الغربية)
كان -يومئذٍ- على رأس المحققين معي! وسرعان ما ادركت أنه حين يقلق اسمٌ عدوك إلى هذا الحد، فأنت تلامس منطقة الحقيقة. دافعت عنه هناك، لا بوصفه شخصًا، بل بوصفه معيارًا.
**********************
جاء الدرس السادس الذي تعلمته من استاذي البروفسور وليد حين فتح لي بابًا للتدريس في جامعة الكويت بعد أن أُغلقت أمامي بلدان عربية، وبلدان. وهو قد فعل ذلك على طريقته: بصمت كامل. لم يقدّم الأمر كمعروف، ولم يترك أثرًا يدل عليه. كان من أولئك الذين يبنون الجسر ثم يمشون بعيدًا، تاركين لك العبور دون أن يثقلوك بجميل يُذكَر. وكم أسعدني وأرضاني أنني جعلت هذا الدرس، منذئذٍ، ديدنا لي في علاقاتي مع الآخرين الذين يقصدوني للمساعدة.
*********************
وختاماً، وفي سياق الدرس السابع، لطالما سحرني الاستاذ وليد بأسلوبه "الانجليزي" الذي كان دوماً يتجلى -سواء في لقاء اجتماعي او اثناء إلقاء محاضرة عامة- فهو يقدم لك الاستخلاص/الموقف الجاد، وربما الصارم، مقروناً احياناً بروح مازحة ظريفة لاتمس من وقاره ولا أدائه الراقي الكاسح. ومنه أساساً -ومن غيره أيضاً - توصلت الى ان أنجح الاساليب الادارية هي تلك التي تُغلب الوردة على العصا، والابتسامة على الصوت العالي، والجو المازح على السلوك الزاجر!
*********************
ومن مفارقات المعنى التي لا تمر عابرة، أن بعض هذه الشهادات قيلت عن الاستاذ وليد مني قبل اسبوعين من رحيله وانا الذي لم التقه منذ مايزيد عن (15) عاماً كونه كان يعيش في الولايات المتحدة التي من المحظور عليّ زيارتها لأن اسمي على "قائمتها السوداء" منذ عام 1967. شهادات قيلت في حياته، لابعد غيابه. كأن الكلام استعجل العدالة، وكأن الذاكرة رفضت أن تؤجل قول ما يجب أن يُقال.
لا رثاء هنا. من يترك مؤسسة ومكتبة وأجيالًا لا يُرثى.
لكن السؤال يبقى مفتوحًا، ومقلقًا:
هل نحمي هذا الإرث ونوسّعه؟ أم نعود إلى نهج الاستدعاء، وننتظر-حين لا نبادر نحن- من يسألنا من جديد: إلى متى؟
أستاذي الذي لم يُدرّسني، علّمني أكثر مما تعلّمت من كل من جلست في صفوفهم. وفي كل هذا، يكفي ذلك عندي ليبقى اسمه فعلًا… لا ذكرى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤