د. عثمان الطاهات : هرمز على خطى السويس: هل تتكرر هزيمة القوى الكبرى؟
على وقع التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يعود إلى الواجهة سؤال تاريخي مهم: هل تتكرر سيناريوهات الماضي في صراعات الحاضر؟ وهل يمكن أن تنتهي المواجهة حول مضيق هرمز بنتائج مشابهة لما حدث خلال العدوان الثلاثي على مصر، حين تحولت قناة السويس إلى ممر سيادي مصري رغم التدخل العسكري الخارجي؟ وبين هذين الحدثين، يبرز عامل مشترك لا يمكن تجاهله، وهو الدور الإسرائيلي في تأجيج الأزمات والدفع نحو التصعيد. في عام 1956، شكل قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس نقطة تحول مفصلية في المنطقة حيث كانت القناة تخضع لنفوذ بريطاني- فرنسي، أصبحت فجأة تحت السيادة المصرية، ما اعتبرته القوى الغربية تهديدا مباشرا لمصالحها الاستراتيجية في هذا الإطار لعبت إسرائيل دورا اساسيا في التحريض والدفع نحو الخيار العسكري، حيث رأت في صعود عبد الناصر ومشروعه القومي تهديدا لأمنها الإقليمي. تشير العديد من القراءات التاريخية إلى أن إسرائيل لم تكن مجرد طرف مشارك، بل كانت عنصرا نشطا في بلورة فكرة العدوان، حيث التقت مصالحها مع بريطانيا وفرنسا في كبح النفوذ المصري المتصاعد وقد تجسد هذا التنسيق في الهجوم المشترك الذي استهدف مصر، بهدف إسقاط قرار التأميم وإعادة السيطرة على القناة، تحت ذرائع متعددة من بينها «حماية الملاحة الدولية». غير أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات؛ إذ أدى الضغط الدولي، خاصة من الاتحاد السوفيتي آنذاك إلى جانب موقف حاسم من الرئيس الأميركي أيزنهاور، إلى انسحاب القوات المعتدية، في مشهد اعتبر هزيمة سياسية مدوية، والأهم من ذلك، أن القناة بقيت تحت السيادة المصرية، ما عزز من مكانة مصر إقليميا ودوليا. اليوم، ومع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، يلاحظ مراقبون تكرار بعض ملامح هذا المشهد، خاصة فيما يتعلق بالدور الإسرائيلي . فإسرائيل، التي تنظر إلى إيران باعتبارها تهديدا استراتيجيا، لا تخفي دعمها لأي تحرك يحد من نفوذ طهران في المنطقة، بل وتدفع في بعض الأحيان نحو تشديد المواجهة، سواء عبر التصريحات أو عبر التأثير في دوائر صنع القرار في واشنطن. ويرى بعض المحللين أن التحريض الإسرائيلي قد يسهم في دفع الولايات المتحدة نحو خيارات أكثر تصعيدا، قد لا تكون نتائجها مضمونة فكما حدث في أزمة السويس، قد يؤدي التدخل العسكري ضد ايران في هذه المرحلة إلى نتائج عكسية، تعزز من موقع الطرف المستهدف بدلا من إضعافه. وقد زادت التصريحات الإيرانية الأخيرة من تعقيد المشهد، حيث لوحت طهران بإمكانية إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، في حال استمرار الضغوط والعقوبات هذا التهديد يعكس إدراكا إيرانيا لأهمية الموقع الجغرافي كأداة قوة، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول ما إذا كان المضيق قد يتحول، في حال نشوب صراع، إلى ممر تفرض عليه إيران سيطرة فعلية. ورغم أوجه التشابه، فإن الفروقات بين الأزمتين تبقى جوهرية فالنظام الدولي اليوم أكثر تعقيدا، وتوازنات القوى لم تعد ثنائية كما كانت خلال الحرب الباردة كما أن أدوات التأثير لم تعد تقتصر على القوة العسكرية، بل تشمل العقوبات الاقتصادية، والتحالفات الإقليمية، والحروب غير التقليدية.



