د. عبد الله محمد القضاة : عمان والكويت: دبلوماسية الحكمة في مواجهة عواصف الإقليم
في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وبينما تقف المنطقة على فوهة بركان من التحولات المتسارعة، جاء لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني مع وزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، ليرسل رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي المعتاد. هذا اللقاء ليس مجرد حلقة في سلسلة العلاقات الثنائية، بل هو إعلان عن تموضع عربي واعٍ يسعى لإعادة تعريف التوازنات في مواجهة عواصف الإقليم. أمن الخليج: قاعدة الاشتباك السياسي الجديدة لم تعد عمان تقرأ أمن الخليج كملف منفصل أو قضية جغرافية بعيدة، بل كجزء عضوي لا يتجزأ من الأمن الوطني الأردني. حين يؤكد جلالة الملك أن أمن الخليج هو ركيزة استقرار المنطقة والعالم، فهو يضع قاعدة اشتباك سياسي جديدة: "أمن المشرق والخليج وحدة واحدة"، وأي اختلال في أحد الطرفين سيمتد أثره بالضرورة إلى الآخر. هذا الموقف يتجاوز منطق "التضامن العربي" التقليدي القائم على المجاملة، إلى منطق "التكامل الأمني الاستراتيجي". فالأردن يدرك بعمق أن استقرار الخليج هو خط الدفاع الأول عن الدولة الوطنية العربية في وجه مشاريع الفوضى والاختراق الإقليمي. الأردن والكويت: ثنائية الثقل والاتزان في مواجهة التحديات الإقليمية. يجمع هذا اللقاء بين مستويين من التأثير: الأردن كمركز ثقل واستقرار في المشرق العربي، والكويت كبوابة خليجية ذات إرث دبلوماسي عريق. هذا التحالف يمنح التحرك العربي وزناً حقيقياً، كونه يربط بين تطلعات الخليج وقضايا المشرق، بعيداً عن فخ الاستقطابات الحادة. لقد تجلت دلالات التنسيق الأردني الكويتي في محاور استراتيجية عدة؛ ففيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد اللقاء على ضرورة التحذير من استغلال الظروف الراهنة لفرض واقع جديد في غزة والضفة والقدس، وهو ما يمثل جوهر الرؤية الأردنية التي ترى أن لا استقرار حقيقياً دون معالجة جذور الصراع. أما بخصوص أمن الخليج، فقد كان التأكيد واضحاً على أن استقرار دول الخليج هو خط أحمر للأمن القومي العربي، وأن أي تهديد له ينعكس مباشرة على الأمن الإقليمي ككل. وفي سياق الأزمات الإقليمية الأوسع، دفع اللقاء نحو مقاربة شاملة ترفض تجزئة الأزمات في لبنان وسوريا، مؤكداً أن الاستقرار لا يُستورد، بل يُصنع عربياً من خلال موقف موحد يحمي السيادة الوطنية ويرفض التدخلات الخارجية التي تقتات على غياب التنسيق العربي. صمام الأمان: دبلوماسية الفعل لا الانتظار الأهم في هذا التحرك هو إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب أي معادلة تهدئة إقليمية. لقد حذر الأردن مراراً من محاولات فرض حقائق جديدة على الأرض، مؤكداً أن جوهر الصراع لا يمكن تجاوزه بمسكنات مؤقتة. هنا يبرز الدور الأردني كصمام أمان سياسي، يمنع تحويل التهدئة إلى غطاء لإعادة رسم الخرائط على حساب الحقوق العربية التاريخية. إن الإشارة إلى لبنان في سياق المباحثات تعكس رفضاً أردنياً كويتياً لتجزئة الأزمات؛ فالاستقرار لا يُستورد، بل يُصنع عربياً من خلال موقف موحد يحمي السيادة الوطنية ويرفض التدخلات الخارجية التي تقتات على غياب التنسيق العربي. قيادة في زمن الضبابية: عمان اليوم لا تنتظر توازنات القوى لترسم دورها، بل تساهم في صياغة هذه التوازنات. في زمن الضبابية السياسية، يقدم الأردن نموذجاً للدولة متوسطة الحجم ولكنها كبيرة التأثير، التي تعرف كيف تحول الجغرافيا إلى ميزة، والتوازن إلى مصدر قوة. إن العلاقة مع الكويت، في هذا السياق، هي شراكة استراتيجية تتجاوز الدعم الاقتصادي لتستقر في رحاب الرؤية المشتركة لمستقبل المنطقة. الخلاصة التي يجب أن تُقرأ جيداً هي أن الأردن لا يتحرك في فراغ، بل يبني معادلة واضحة: لا تهدئة بلا ضمانات، ولا استقرار بلا سيادة، ولا مستقبل للمنطقة دون موقف عربي موحد يقوده الحكماء في زمن العواصف. هذه ليست مجرد دبلوماسية، بل هي قيادة حقيقية في زمن تتلاطم فيه الأمواج.





