بينها الزعتر والخرفيش والعكوب.. موسم وفير للنباتات الطبيعية بدرعا
مع بدء الأجواء الربيعية وهطول الأمطار الدافئة خلال الفترة الماضية، استعادت الأراضي الزراعية وأطراف الطرق في أرياف محافظة درعا حيويتها، حيث ازدهرت الأعشاب البرية موسميًا، مشكلة مشهدًا طبيعيًا يعكس غنى الأرض وتفاعلها مع مياه الأمطار.
جنبات الطرق والسهول في ريف درعا، تشهد حركة لافتة لعائلات تقصد هذه المناطق لجني الأعشاب الطبيعية، والتي تنمو دون تدخل بشري، ومن أبرزها الخرفيش، والهندبة، واللوف، والزعتر البري، والشومر، والعكوب، مستفيدة من وفرة موسم الشتاء المنصرم الذي تجاوزت فيه الهطولات المعدل السنوي، واعتدال الطقس.
وتتميّز بعض هذه النباتات بانتشارها في الأودية ومجاري السيول، مثل اللوف والشومر والزعتر البري، في حين تنمو أنواع أخرى في السهول المفتوحة وعلى أطراف الطرق الزراعية، ما يسهل الوصول إليها وجمعها من قبل الأهالي.
ويقبل الأهالي على هذه الأعشاب لما تتمتع به من فوائد غذائية وصحية، فضلًا عن مذاقها المميز وارتباطها بالعادات الغذائية الشعبية، إضافة إلى ندرتها الموسمية التي تجعل من موسم الربيع فرصة سنوية لاقتناء هذه الثروات الطبيعية.
موسم وفير
تستغل إيمان عبد الرحمن، وهي من سكان مدينة درعا، تواجدها في منزل أهلها بريف درعا الغربي لجني نبات الخرفيش، وهو نبات عشبي بري شائك ينمو بكثرة عقب هطول الأمطار.
تؤكد إيمان أنها تحب طعم هذا النبات وطقوس جنيه رغم أشواكه، مشيرة إلى أنه ينمو في بداية فصل الشتاء ثم يتحول إلى رؤوس تحتوي على بذور.
ولا يقتصر اهتمامها على الخرفيش فحسب، بل تحرص أيضاً على جني أعشاب برية أخرى تنمو شتاءً كالهندباء والخبيزة، وتضيف أن عائلتها تفضل هذه النباتات الطبيعية لمذاقها المميز.
من جانبه، يتوجه سعيد المحمد إلى أعماق وادي اليرموك لجني نباتات برية مثل الشومر واللوف والكلخ.
ويشير سعيد إلى أن زياراته المتكررة للوادي مكنته من جمع كميات وافرة، حيث تطهو عائلته اللوف مع العجين واللبن، معتبراً إياه من أشهى الأطباق النادرةK ويسمى شعبيًا “الجعاجيل”.
كما يفضل سعيد الشومر البري على المزروع في الأراضي المروية لتمتعه بنكهة أقوى وحدّة أكبر.
أما محمد العلي، الذي يمتلك بسطة للأعشاب البرية في مدينة درعا، يقول لعنب بلدي، إنه يحرص على توفير هذه الأعشاب لزبائنه الذين يفضلونها لجودتها وطبيعتها، لدرجة أن بعضهم يحجز كميات منها قبل جنيها.
وحول الأسعار، يوضح العلي أن سعر كيلو العكوب وصل إلى 50 ألف ليرة سورية لندرته، بعد أن كان يباع بـ 25 ألفاً في الشتاء الماضي، بينما يباع كيلو اللوف بـ 15 ألف ليرة، وكيلو البابونج بـ 20 ألف ليرة، إذ تفضل العديد من الأسر تخزين الأخير لاستخدامه كعشبة دوائية، إلى جانب اللوف، والزعتر البري، والشومر، وغيرها.
وتتوزع هذه الأعشاب في بيئات متنوعة، فبينما ينمو اللوف والشومر والزعتر في الأودية، تنمو أنواع أخرى في السهول وعلى جوانب الطرق.
أعشاب دوائية
المسن فواز الحمدان، يحرص على استخدام الأعشاب الطبيعية، إلا أن حالته الصحية لم تعد تسمح له بجمعها من الأودية كما كان سابقًا، لذا بات يشتريها في مواسمها.
وذكر لعنب بلدي أن أحد أطباء الأعشاب نصحه بتناول بعض النباتات الطبية مثل ‘اللوف”.
وأضاف فواز، المصاب بداء السكري، أنه يحرص على تناول ‘الخرفيش” بكثرة، حيث يزور أقاربه في ريف درعا الغربي خلال فصل الربيع لجمع الأعشاب البرية.
خبير أعشاب: طبيعية وخالية من الأسمدة
محمد المصبيح، خبير في طب الاعشاب قال لعنب بلدي، إن الميزة التي تكتسبها النباتات البرية التي تنمو حاليًا في سهول حوران، أنها تأتي بعد موسم جفاف مرت به البلاد خلال 2024، وفصل شتاء 2025 وحتى الآن تميز بوفرته بالأمطار والرعود، ما جعل المحصول منذ هذه النباتات وفيرًا من البذور التي بقيت خامدة في فصل الربيع السابق.
وأشار إلى أن النباتات البرية طبيعية وخالية من الأسمدة والمواد الكيميائيه، وهي صالحة للأكل، وتطهى بطرق مختلفة، وذات فوائد غذائية وعلاجية.
ويعدد الخبير أهم هذه النباتات وخصائصها الطبية وفوائدها الصحية :
- الخرفيش: من فصيلة العكوبيات، مدر بول ومنظف طبيعي للكلى والمثانة، وتستخدم بذوره كعلاج للالتهابات ومفيدة الكبد.
- الجعدة واللوف: نباتات برية تساعد في الوقاية والعلاج من بعض انواع السرطان والسموم بالجسم.
- البابونج: نبات يستخدم كمضاد حيوي طبيعي، ويستخدم كمطهر للعين وللرمد.
- الخبيزة: نبات منقي للدم، وغني بالفيتامين، وملين طبيعي للمعدة والأمعاء.
- العكوب: نبات شوكي بري مفيد لأمراض الكبد والجهاز الهضمي والكولون العصبي، غني بالمعادن، البوتاسيوم والحديد، ويساعد على حرق الدهون، ويساعد أيضًا على تخفيض الكوليسترول والدهون الثلاثية ما يضمن صحة الشرايين.
- الشومر: ويتميز بأزهاره الصفراء، ويُستخدم بالكامل (أوراق، بذور، جذور كغذاء ودواء لعلاج الجهاز الهضمي والتنفسي)، ويُعرف بفوائده في طرد الغازات، إدرار الحليب، والتنحيف.
أثر الأمطار الغزيرة بعد الجفاف
وشكل هطول الأمطار الغزير بمحافظة درعا فرصةً لنمو الأعشاب البرية من جديد، بعد موسم جفاف أثر عليها سابقاً.
وبحسب أحدث نشرة صادرة عن مديرية زراعة درعا حول كميات الأمطار في محافظة درعا، فقد وصل مجموع الهطولات إلى 327.8 مم، مقارنة بـ 125.3 مم في موسم الشتاء الماضي، في حين يبلغ المعدل السنوي 323 مم.
ولا يقتصر جني الأعشاب الطبية على محافظة درعا إذ شهدت المحافظات الأخرى، ومنها محافظة الحسكة، غزارة في النباتات الطبية والغذائية، وهي تتعدى كونها نشاطًا اقتصاديًا أو غذائيًا، وترتبط بعادة اجتماعية يصفها الأهالي بـ”طلعة الربيع”، إذ تتجه العائلات أو مجموعات من النساء والرجال إلى البراري لجمع نباتات موسمية مثل الخبيزة والخريدلة والكعوب والبابونج وغيرها.
ويمثل هذا الموسم بالنسبة إلى كثير من أهالي الريف تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، ومصدرًا غذائيًا مهمًا يضيف نكهة خاصة إلى موائد الربيع، فضلًا عن فوائده الصحية والطبية التي يعرفها السكان منذ أجيال.





