بين تضخيم الإنجازات واعترافات الإخفاق: قراءة في العقل العسكري الإسرائيلي للحرب
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
<p style="text-align: justify;">في خضم السردية الإسرائيلية التي تسعى إلى تكريس صورة “الإنجاز العسكري الكبير” في المواجهات الأخيرة، تكشف قراءة متقاطعة لمقالات صادرة عن نخب فكرية وأمنية إسرائيلية عن واقع أكثر تعقيداً، بل ومتناقضاً في كثير من جوانبه. فبينما يعلو الخطاب الرسمي بسرديات النصر والانجازات، تتسلل من داخل المؤسسة ذاتها اعترافات صريحة بفشل التقدير، وتآكل الردع، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الحسم.</p>
<p style="text-align: justify;">هذه الفجوة ليست جديدة في التجربة الإسرائيلية، لكنها اليوم أكثر وضوحاً وحدة، في ظل تعدد جولات الصراع الممتدة من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران. وهنا يمكن استحضار القاعدة التي تقول “النجاح العسكري لا يكتمل إلا إذا تُرجم إلى إنجاز سياسي مستدام”، وهي القاعدة التي يبدو أن الكيان الصهيوني يعجز عنتحقيقها في جولاته الأخيرة.</p>
<p style="text-align: justify;">في هذا السياق، يحاول إيال زيسر نائب رئيس جامعة تل أبيب تقديم مقاربة تاريخية تربط بين الحاضر وتجربة العدوان الثلاثي عام 1956، مؤكداً أن "إسرائيل" نجحت حينها في “ترجمة نتائج المعركة العسكرية إلى إنجازات سياسية بعيدة الأثر”. غير أن هذا الطرح ينقلب، في جوهره، إلى إدانة ضمنية للواقع الراهن، إذ يعترف الكاتب بأن الحروب اللاحقة، وعلى رأسها حرب لبنان الثانية وحروب غزة، “انتهت بلا صورة نصر، والأهم من ذلك بلا حسم واضح”، وأن الإنجازات العسكرية لم تُستثمر سياسياً.</p>
<p style="text-align: justify;">بل إن زيسر نفسه يقرّ بأن نتائج المواجهة الحالية مع إيران “لا يزال من الصعب تقريرها”، في ظل “غياب صور نصر أو معطيات لم يبلغ بها الجمهور”، وهو ما يعكس أزمة عميقة في مصداقية الرواية الرسمية للقيادة الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات حول حقيقة ما جرى بعيداً عن الدعاية السياسية لنتنياهو ودائرته.</p>
<p style="text-align: justify;">على مستوى آخر، تكشف مقالة خبيرة الأمن القومي شيرا بربيفاي شاحام عن خلل بنيوي في أداء الاستخبارات الإسرائيلية، يتمثل في فشل متكرر في تقدير قدرات الخصوم ونواياهم. ويكفي الاستشهاد بالاعتراف الذي نقله المقال عن قائد المنطقة الشمالية: “هناك فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعلياً”، وهي عبارة تختصر أزمة تقدير استراتيجية ممتدة.</p>
<p style="text-align: justify;">وتؤكد الكاتبة أن ما جرى ليس حادثة معزولة، بل “إخفاق مستمر في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تقييم جاهزية العدو”، مشيرة إلى أن سيناريوهات ما قبل 7 أكتوبر كانت أسيرة تقديرات متفائلة، “لم تتخيل الجرأة والخطة الواسعة” التي نفذتها المقاومة. وهو ما يعكس انهياراً في أحد أهم أعمدة الأمن القومي الإسرائيلي: التفوق الاستخباري.</p>
<p style="text-align: justify;">أما على المستوى العملياتي، فتأتي معطيات الكاتب بار بيلغ لتكشف عن تآكل في فعالية منظومات الدفاع الجوي، إذ يشير إلى أن “ربع الصواريخ التي أطلقت في الأسبوع الأخير من الحرب نجح في اختراق أنظمة الدفاع الجوي”، وأن هذه النسبة في ارتفاع مستمر مع طول أمد الحرب. هذه الأرقام لا تعكس فقط تحدياً تقنياً، بل تشير إلى قدرة الخصم على التكيف وتطوير أدواته بما يحد من فاعلية التفوق التكنولوجي الإسرائيلي.</p>
<p style="text-align: justify;">ويزداد هذا المشهد قتامة مع اعترافات داخل المؤسسة العسكرية بأن الحرب الطويلة لم تكن ضمن الحسابات، وأن الموارد – بما فيها صواريخ الاعتراض – تخضع لاعتبارات معقدة، ما يحد من القدرة على تحقيق حماية كاملة. وهو ما يضرب في العمق صورة “المناعة المطلقة” التي حاولت إسرائيل ترسيخها.</p>
<p style="text-align: justify;">وفي السياق ذاته، يسلط عاموس هرئيل المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، الضوء على فجوة أخرى خطيرة، تتمثل في التباين بين الأهداف السياسية والقدرات العسكرية. إذ ينقل عن ضابط كبير قوله إن الحملة في لبنان “لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بالكامل”، في تناقض واضح مع الخطاب السياسي الذي يتحدث عن “حسم المعركة”.</p>
<p style="text-align: justify;">هذا التباين يعكس خللاً في عملية صنع القرار، حيث تُرفع سقوف الأهداف دون امتلاك الأدوات الكفيلة بتحقيقها. بل إن هرئيل يؤكد أن “الانتصار في هذه الحروب مؤقت”، وأن الخصوم، وعلى رأسهم حزب الله، يستغلون فترات الهدوء لإعادة بناء قوتهم، ما يعني أن إسرائيل تدير الصراع ولا تحسمه.</p>
<p style="text-align: justify;">في المحصلة، تكشف هذه المقالات والقراءات رغم اختلاف زواياها عن حقيقة واحدة، الكيان الصهيوني يواجه أزمة مركبة تتجاوز حدود الأداء العسكري إلى عمق التفكير الاستراتيجي. فالتضخيم الإعلامي للإنجازات لا يمكنه إخفاء الاعترافات المتزايدة بفشل التقدير، وتآكل الردع، وعجز القوة العسكرية عن فرض نتائج سياسية مستقرة.</p>
<p style="text-align: justify;">ما ذكر يوضح ان الكيان الصهيوني رغم كل هذا التضخيم للانجازات والقوة لم يعد قادرة على تحقيق انتصارات نهائية، بل يكتفي بجولات تكتيكية تؤجل التهديد ولا تنهيه. وفي ظل خصوم أكثر مرونة وقدرة على التكيف، فإن هذا الواقع يضع الكيان أمام معادلة صعبة قوة عسكرية كبيرة، لكنها عاجزة عن إنتاج نصر وحسم استراتيجي مستدام.</p>





