بين صوت الشارع وحكمة البناء… كيف نكسب المرحلة دون أن نخسر الوطن؟
الوطن – عطية العلي
في المراحل الانتقالية، لا يكون الطريق مفروشاً بالإنجازات، بل بالتحديات والأسئلة والآمال المؤجلة. وهذه سنة الحياة؛ فكل بناءٍ يحتاج إلى زمن، وكل تحولٍ لا يُقاس بيومٍ أو شهر، بل بسنوات من العمل المرحلي. ومن هنا، فإن تحميل الواقع فوق طاقته، أو استعجال الثمار قبل نضجها، قد يشتّت المسار أكثر مما يصلحه.
نحن اليوم أمام مرحلة بناء، لا مرحلة حصاد. مرحلة تتطلب وعياً جماعياً يُدرك أن الأخطاء واردة، وأن بعض التحديات قد ترتبط بحداثة التجربة أو محدودية الإمكانات، وهو أمر طبيعي في مراحل البناء، ولا يعني بالضرورة سوء النية أو غياب الرغبة في الإصلاح. وهذا لا يمنع من النقد، بل يؤكد أهميته، ولكن بشرط أن يكون نقداً واعياً بنّاءً، لا هدماً ولا تصفية حسابات.

لقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، والتعاون هنا لا يكون فقط في الإنجاز، بل في التصويب أيضاً، بالنصيحة الصادقة والتوجيه السليم، بعيداً عن الإحباط أو التهويل. كما قال النبي ﷺ: “الدين النصيحة”، والنصيحة الصادقة هي التي تُقال بحكمة، وتُوجَّه بقصد البناء لا الإثارة.
وفي خضم هذا الواقع، تبرز أهمية وجود خطاب رسمي واضح، عبر متحدثٍ رسمي باسم الحكومة، يُخاطب الناس بصدق وشفافية، يوضح لهم التحديات، ويطمئنهم على المسار. فالكلمة الصادقة في وقتها قد تُطفئ كثيراً من القلق، وتسد أبواب الشائعات، وتبني جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
أما الدعوات إلى الاعتصامات في هذه المرحلة، فرغم ما قد تحمله من نيات حسنة لدى البعض، إلا أن واقع التجارب يُظهر أنها قد تفتح أبواباً لا تُحمد عقباها، وخاصة في بيئة لا تزال في طور الاستقرار. فليس كل تحركٍ ظاهره الإصلاح تكون نتائجه كذلك، وقد يتسلل من خلاله من لا يريد خيراً بالوطن، أو من يسعى لتأجيج الفوضى بدل معالجتها.
ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن نُقدّم مصلحة الوطن واستقراره على كل اعتبار، وأن نُحسن اختيار الوسائل التي نُعبّر بها عن آرائنا، دون أن نُضعف مسار البناء أو نمنح الفرصة لمن يتربص. فبدل أن نلعن الظلام، لنُشعل شمعة.
إن التفاؤل الواعي، والصبر المسؤول، والنقد البنّاء… هي مفاتيح العبور الآمن في هذه المرحلة. فلنكن جزءاً من الحل، لا عبئاً على الطريق، ولنجعل من اختلافنا قوة، ومن وعينا صمّام أمان، حتى نصل جميعاً إلى وطنٍ يليق بتضحيات أبنائه.





