... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
269083 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 6266 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

بين وهم الحماية وغياب السيادة

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/27 - 08:25 501 مشاهدة


بقلم / محمد بوخروبة


في المنعطفات التاريخية الكبرى لا تقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من ترسانة عسكرية أو تحالفات دولية، بل بقدرتها على قراءة اللحظة واستيعاب التحولات وصياغة قرارات مستقلة تنبع من مصالحها الوطنية لا من إملاءات الخارج، واليوم يقف العالم العربي أمام لحظة إقليمية فارقة تتشكل فيها ملامح توازن جديد للقوة، عنوانه الأبرز اقتراب ميزان الردع بين إيران وإسرائيل من حالة غير مسبوقة من التعادل النسبي، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على بنية الأمن الإقليمي ومستقبل السيادة في المنطقة.
هذا التحول لا يمكن عزله عن السياق التاريخي الذي تشكلت فيه المنطقة منذ بدايات القرن العشرين، حين أعادت القوى الاستعمارية رسم الجغرافيا السياسية وفق مصالحها لا وفق إرادة شعوبها، لقد مثلت تلك المرحلة التأسيسية نموذجًا صارخًا لسياسات الهيمنة، حيث استخدمت الوعود كأدوات مرحلية، وسرعان ما جرى التنصل منها لصالح ترتيبات تخدم مراكز القوى العالمية، ومنذ ذلك الحين دخلت المنطقة في حلقة مفرغة من التبعية، تتبدل فيها الأشكال بينما يبقى الجوهر ثابتًا ارتهان القرار الوطني للخارج.
غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن أدوات الهيمنة لم تعد تقتصر على الاحتلال المباشر أو الانتداب التقليدي، بل باتت أكثر تعقيدًا، تتجلى في منظومات أمنية وعسكرية تسوَّق باعتبارها ضمانات للحماية، بينما تحمل في طياتها قيودًا ثقيلة على السيادة، فالقواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في عدد من الدول العربية، خصوصًا في منطقة الخليج، تطرح كركيزة للأمن والاستقرار، لكن الوقائع الميدانية كشفت محدودية هذا الادعاء، بل وأظهرت أن وجودها قد يضع هذه الدول في قلب الصراعات بدل أن يبعدها عنها.
لقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن هذه القواعد لم تمنع استهداف البنى التحتية الحيوية، ولم تحُلْ دون انتقال التوترات إلى عمق الدول المستضيفة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أوراق ضغط سياسي تستخدم لتوجيه السياسات الداخلية والخارجية، وهنا يبرز التناقض الصارخ بين مفهوم الحماية كما يروج له، وحقيقته على الأرض، حيث تصبح الدول رهينة لتوازنات لا تملك التحكم فيها، وتجبر على اتخاذ مواقف لا تنسجم بالضرورة مع مصالح شعوبها.
في المقابل فرضت إيران نفسها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاهله، بعد أن أظهرت قدرتها على تطوير منظومة ردع معقدة، مكنتها من الصمود في وجه ضغوط متعددة عسكرية واقتصادية وسياسية. وبغض النظر عن الموقف من سياساتها فإن الواقع الجديد يشير إلى أن منطق القوة وحده لم يعد كافيًا لحسم الصراعات، وأن الدبلوماسية، مهما بدت صعبة، أصبحت خيارًا أكثر واقعية من المغامرات العسكرية المفتوحة.
هذا التحول يضع القيادات العربية أمام اختبار حقيقي، هل تستمر في الرهان على معادلات قديمة أثبتت محدوديتها، أم تبادر إلى إعادة صياغة سياساتها بما يتلاءم مع موازين القوى الجديدة؟ إن الاستمرار في النهج التقليدي القائم على الارتهان لمحاور خارجية، لم يعد يضمن الأمن ولا الاستقرار، بل قد يفاقم من هشاشة الدول ويعرِّضها لمخاطر وجودية، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح الدولية.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحَّة لإعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية، ليس كشعار يرفع في الخطابات، بل كسياسة عملية تترجم إلى قرارات مستقلة، وتحالفات متوازنة واستراتيجيات أمنية تنطلق من الداخل قبل الخارج، فالدول التي لا تمتلك قرارها مهما بلغ حجم دعم حلفائها، تظلُّ عرضة للابتزاز ومهددة بفقدان قدرتها على رسم مستقبلها.
ولا يمكن تحقيق ذلك دون إعادة الاعتبار لدور الشعوب التي تم تهميشها لعقود طويلة في صناعة القرار، إن تغييب الإرادة الشعبية لا يؤدي فقط إلى خلل في الشرعية، بل يضعف أيضًا قدرة الدول على الصمود، لأن المجتمعات التي لا تشعر بأنها شريكة في القرار تكون أقل استعدادًا لتحمل تبعاته، ومن هنا فإن أي مشروع حقيقي لاستعادة السيادة يجب أن يمرَّ عبر تعزيز المشاركة السياسية وفتح المجال أمام نقاش عام صريح حول الخيارات الاستراتيجية.
لقد عبَّر عدد من الخبراء الاقتصاديين عن قلقهم من السياسات التي تبدو متناقضة مع المصالح الوطنية، خصوصًا في ظل الخسائر الاقتصادية الضخمة التي تتكبدها المنطقة نتيجة التوترات المتصاعدة، فاستهداف المنشآت الحيوية وتقلبات أسواق الطاقة وتراجع الاستثمارات، كلها مؤشرات على أن الاستقرار لم يعد مضمونًا وأن كلفة الارتهان للخارج قد تكون أعلى بكثير من كلفة الاستقلال.
وفي هذا السياق تبرز دعوات لإعادة النظر في منظومة الأمن الإقليمي، بما في ذلك طبيعة الوجود العسكري الأجنبي، وضرورة بناء ترتيبات جماعية تنطلق من مصالح دول المنطقة نفسها، لا من حسابات القوى الكبرى، فالتاريخ أثبت أن الأمن المستورد يظلُّ هشًّا، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر توازنات داخلية وإقليمية أكثر عدالة واستدامة.
إن الشعور بالخيبة الذي يسود قطاعات واسعة من الشعوب العربية اليوم، ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكم طويل من الإخفاقات والفرص الضائعة، غير أن هذه الخيبة يمكن أن تتحول إلى دافع للتغيير إذا ما تم استثمارها في مراجعة نقدية صادقة، تعترف بالأخطاء وتسعى إلى تجاوزها بدل الاستمرار في إنكارها.
إن اللحظة الراهنة بكل ما تحمله من مخاطر، تفتح أيضًا نافذة لإعادة رسم الموقع العربي في العالم على أسس جديدة أكثر توازنًا واستقلالًا، إنها فرصة لإعادة تعريف المصالح وبناء سياسات خارجية أكثر براغماتية وتطوير نماذج تنموية تقلل من الاعتماد على الخارج، لكنها في الوقت نفسه اختبار لإرادة القيادات، هل تمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات صعبة أم تفضل البقاء في دائرة الأمان الوهمي؟
لذا لا يمكن لأي أمة أن تخرج من دائرة التبعية دون وعي تاريخي عميق وإرادة سياسية صلبة واستعداد لتحمل كلفة الاستقلال، فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلم من دروسه، والفرص لا تنتظر المترددين، وبين وهم الحماية وواقع السيادة يبقى الخيار مفتوحًا لكن نتائجه تحدد ملامح المنطقة لعقود قادمة.

The post بين وهم الحماية وغياب السيادة appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤