بين مفاوضات اليوم والأمس... أيّ أوجه شبه ومعالم اختلاف؟
ليست المرة الأولى يذهب لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين. فتجربة المفاوضات التي أفضت في نهايتها إلى استيلاد اتفاق 17 أيار عام 1983 حاضرة في الأذهان باعتبارها معلما في دورة الحياة السياسية المعاصرة، سواء من حيث المسار أو لجهة النتائج والتبعات.
لذا فإن السؤال المطروح بعد إعلان لبنان رسميا عزمه على بدء جولة مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن: ما أوجه الشبه والاختلاف بين ظروف المفاوضات التي أجريت قبل 43 عاما وتلك المزمع بدء أولى جلساتها الثلثاء المقبل؟
وبلاغة السؤال تأتي من أن ثمة من ينتظر ويراهن ليبني على الأمر مقتضاه، وعلى النتائج حساباتها الداخلية. واستطرادا، هل تكون التجربة المنتظرة مماثلة للتجربة الماضية، مع أن زمنها مضى؟
الواقع أن المفاوضات السابقة، كما تلك المقررة مبدئيا، تمت تحت وطأة فعل إسرائيلي ميداني كبير. فالتجربة الأولى كما هو معلوم أتت بعيد هزيمة لحقت بمنظمة التحرير الفلسطينية وحلفائها في "الحركة الوطنية"، وبعيد اجتياح إسرائيلي واسع للجنوب ومناطق أخرى، انتهى بدخول القوات الإسرائيلية العاصمة، ليكون ذلك منطلقا لإحداث تحول سياسي حاد في حكم البلاد، مهّد لتركيبة سياسية سارعت إلى تبني خيار مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وهي مفاوضات استمرت أكثر من عام وتنقلت بين خلدة ونهاريا في الجليل الأعلى، وأثمرت إبرام اتفاق سلام هو اتفاق 17 أيار، نسبة إلى يوم إقراره في مجلس النواب بأكثرية مريحة.
لكن تركيبة الحكم التي أقرته بشق النفس، عجزت عن توفير مقومات حمايته واستمراريته، فعاد المجلس الذي أقره ليسقطه وكأنه لم يكن.
من أوجه الاختلاف وفق البعض أن قوة الاعتراض على الاتفاق كانت آنذاك قوية جدا، مما وفر أسباب إسقاطه، إذ إن سوريا حافظ الأسد عادت عن تأييدها الأولي له وحرضت على إسقاطه، فيما كانت بعض أحزاب "الحركة الوطنية" قد أطلقت لتوها مقاومة فعلية، وفي الوقت نفسه نشأ تحالف الضرورة بين رئيس حركة "أمل" نبيه بري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وقرّرا البدء معا بمواجهة سياسية وعسكرية ضد الحكم. وعلى مستوى أعلى كانت ولادة "جبهة الخلاص الوطني" التي ضمت شخصيات بارزة مثل الرئيس سليمان فرنجية والرئيس رشيد كرامي والرئيس عادل عسيران، والتي بدأت معارضة سياسية للحكم وأدائه.
واللافت في الأمر أن "حزب الله" الذي يجاهر بحمله راية الاعتراض المسبق على المفاوضات المباشرة الموعودة بين لبنان وإسرائيل، يهدد بتكرار تجربة الاعتراض التي نجحت في النهاية إلى إسقاط الاتفاق الوليد بفعل مفاوضات تلك الفترة، ويتوعد سلفا بنهاية مماثلة لأي اتفاقية تنتج من المفاوضات المقبلة، خصوصا أنه بعث خلال الساعات الماضية برسائل عدة من خلال حراك أولي في بعض شوارع العاصمة.
لكن اللافت أن "جبهة مناهضة" الحزب المؤيدة بقوة لمسار المفاوضات باعتباره خيارا وحيدا لإنهاء سيطرة الحزب، ما لبثت أن نظمت ردا صلبا على هذا التهديد عنوانه العريض "أن الزمن الأول تحول"، أي أن الزمن الذي كان فيه الحزب يغير من خلال أشكال متنوعة من الاعتراض، قد ولى، وأن الوقائع والظروف التي تضافرت وأفضت إلى سقوط اتفاق 17 أيار و"تحقيق انتصار" للمعترضين عليه، قد تبدلت تماما. فليس هناك في رأيهم "جبهة مقاومة" عابرة للطوائف والمناطق، كما ليس هناك سوريا الأسد المساندة لتيار الاعتراض، فضلا عن ذلك، لا "مزاج عاما عربيا - سنيا يقف ضد التفاهمات مع الإسرائيلي". والأهم من ذلك أن القياديين اللذين تنكبا في السابق الدعوة إلى إسقاط اتفاق 17 أيار، الرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط، هما الآن في مكان آخر ويتبنيان رؤى مغايرة يجد البعض في عمقها "ندما" على فعل ذلك الزمن.
وإلى ذلك كله، ثمة اطمئنان إلى أن الرئاستين الأولى والثالثة اللتين تتبنيان بقوة خيار التفاوض المباشر ليس لديهما قابلية "المناورة والمساومة".
بهذه الرؤى والحسابات المتعارضة، يذهب دعاة المفاوضات إلى خيارهم، ويمضي المعترضون في رحلة اعتراضهم. والمفارقة أن كليهما مطمئن ضمنا إلى أن خياره هو الفائز في نهاية المطاف، كما أن أيا منهما لا يبدي استعدادا للتراجع نحو حلول وسطية.





