بين 'كرسي الاعتراف' وهذيان السياسة: كيف ورّط 'الصبي المسن' نفسه؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
يستحضر التاريخ الفني العربي محطات فارقة، لعل أبرزها تكريم بابا الفاتيكان للفنان يوسف وهبي بوسام 'الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية'، كأول مسلم ينال هذا التقدير. جاء هذا التكريم نتاجاً لفيلمه الشهير 'كرسي الاعتراف' الذي أُنتج عام 1949، حيث برع وهبي في تجسيد القوانين الكنسية وصور بعمق إيمان المرء بالعدالة الإلهية في مواجهة المحن والشدائد. استلهم وهبي قصة الفيلم من سيرة الكاردينال جوفاني دي ميديتشي، الذي عاش في فلورنسا خلال القرن السادس عشر، ليقدم معالجة درامية تبرز الصراع الأزلي بين الواجب الديني والعاطفة الإنسانية. وتتشابه هذه المعضلة مع تراجيديات الأدب العالمي مثل 'أنتيغونا'، حيث يجد رجل الدين نفسه ممزقاً بين الحفاظ على سرية الاعتراف وبين إنقاذ شقيقه المظلوم من حبل المشنقة. في ذروة الحبكة الدرامية، يضطر الكاردينال للتظاهر بالجنون كحيلة أخيرة لإظهار الحق دون انتهاك قدسية قوانين الكنيسة، وهو ما يعكس حكمة العاقل الذي يصطنع العته لإحقاق العدل. وتبرز هنا المفارقة عند مقارنة هذا السلوك بمن يمارس الهذيان المستمر في الواقع السياسي المعاصر، حيث يختلط التظاهر بالعقل مع الحماقة المتأصلة التي يدركها القاصي والداني حول العالم. إنها المرة الأولى في التاريخ التي يمكنك أن تغرّد 'إنه أحمق'، فإذا بـ90 بالمائة من سكان المعمورة يفهمون من تقصد. تشير القراءات التحليلية لشخصية دونالد ترامب، كما يراها مراقبون مثل ليون بانيتا، إلى أنه يمثل نموذج 'الصبي المسن' الذي تحركه النزوات الشخصية بعيداً عن الحقائق والدقائق. هذا النمط من القيادة يرفض المشورة ولا يطيق القراءة، مما يجعله يسقط في ورطات اختيارية ثم يصب جام غضبه على من يصفهم بـ 'الجبناء' لأنهم لم ينقذوه من عواقب قراراته. إن المقارنة بين تظاهر يوسف وهبي بالخبل لغرض نبيل، وبين الواقع الذي يعيشه العالم مع زعيم يفتخر بقدرته على ارتكاب الجرائم دون فقدان شعبيته، تكشف فجوة أخلاقية هائلة. فبينما كان الفن يسعى لترسيخ قيم العدالة والتضحية، تبدو السياسة الحديثة في بعض وجوهها رهينة لنزوات صبيانية تفتقر للحصافة والمسؤولية تجاه المجتمع الدولي.



