بين فصل المسارات وإبقاء النار حيّة: ماذا تريد واشنطن من لبنان بعد هرمز؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب-
زياد فرحان المجالي
المشهد لا يشير إلى نهاية حرب بقدر ما يشير إلى بداية مرحلة جديدة في إدارتها. ففتح مضيق هرمز، وتراجع أسعار النفط، وتصريحات دونالد ترامب عن تقدم التفاهم مع إيران، والحديث عن منع إسرائيل من مهاجمة لبنان، كلها عناصر توحي بأن واشنطن تحاول نقل المنطقة من طور الاشتباك المفتوح إلى طور إعادة ترتيب المسارات. لكن هذا الانتقال لا يعني أن التوتر انتهى، بل يعني فقط أن أدواته تغيّرت، وأن الصراع بدأ ينتقل من الميدان إلى شروط اليوم التالي.
فتح هرمز لم يكن تفصيلًا اقتصاديًا. صحيح أن أثره ظهر مباشرة في سوق الطاقة، لكن دلالته السياسية كانت أوسع بكثير. المضيق كان خلال التصعيد أحد أخطر مفاتيح الضغط في الإقليم، وإعادة فتحه في هذا التوقيت تعني أن هناك رغبة واضحة في منع الوصول إلى مواجهة تتجاوز حدود الضربات والتصعيد المحسوب. غير أن الأهم من فتح المضيق نفسه كان الطريقة التي جرى تسويقه بها سياسيًا. فترامب لم يقدمه كجزء من تهدئة متبادلة، بل كدليل على نجاح الضغط الأميركي، وكأن ما حدث هو استجابة إيرانية مباشرة لشروط واشنطن.
هنا تبدأ المسافة بين الوقائع والخطاب. من الواضح أن هناك إشارات تهدئة، وأن ثمة قناة تفاوضية تتحرك، وأن فتح المضيق حمل أثرًا مباشرًا على الأسواق. لكن حين يتوسع الخطاب الأميركي ليقول إن إيران وافقت على كل شيء تقريبًا، من المضيق إلى اليورانيوم المخصب إلى البيئة الإقليمية، فإننا نكون أمام رواية سياسية تريد أن تسبق النتيجة وتقدمها باعتبارها شبه محسومة. وهذا أمر يجب التعامل معه بحذر، لأن التجارب في هذا النوع من الملفات تقول إن ما يُقال أمام الإعلام ليس دائمًا هو ما يُثبت لاحقًا على الطاولة.
الأهم من ذلك أن واشنطن لا تبدو معنية فقط بإدارة تفاهم تقني مع إيران، بل بتحويل هذا التفاهم إلى مدخل لإعادة ضبط ساحات المنطقة. ومن هنا يكتسب لبنان حساسيته الخاصة. فعندما يعلن ترامب أن الولايات المتحدة منعت إسرائيل من مهاجمة لبنان، وأن ملف لبنان سيُعالج بصورة منفصلة، فهو لا يرسل رسالة موضعية، بل يعلن عمليًا أن واشنطن تريد فصل المسار اللبناني عن مسار التفاوض مع طهران. وهذا تطور بالغ الأهمية، لأن الجبهة اللبنانية خلال الفترة الماضية لم تكن معزولة عن السياق الإيراني، بل كانت جزءًا من شبكة ضغط وردع أوسع.
لكن هذا ما تريده واشنطن، لا بالضرورة ما يريده الواقع. فلبنان ليس ملفًا سهل العزل، وحزب الله ليس تفصيلًا يمكن فصله بقرار سياسي أميركي أو بإعلان إعلامي. لذلك فإن الحديث عن فصل المسارات يكشف أولًا عن الرغبة الأميركية في إعادة التفكيك والتنظيم، لكنه لا يثبت بعد أن هذا الفصل قابل للحياة أو مضمون النجاح. الإدارة الأميركية تريد طاولة تفاوض مع إيران لا تبتلعها الجبهات الفرعية، وتريد في الوقت نفسه ضبط الجبهة اللبنانية كي لا تُفجر الإقليم مجددًا. غير أن هذا الهدف يصطدم بحقيقة أن الساحات تداخلت طويلًا، وأن فصلها يحتاج أكثر من نوايا سياسية.
في المقابل، تكشف الرواية الإسرائيلية العسكرية عن مقاربة مختلفة تمامًا. فتل أبيب لا تتحدث عن تهدئة نهائية، ولا عن نهاية مستقرة للجولة، بل عن فرصة لفرض وقائع جديدة. الحديث عن شريط دفاعي في جنوب لبنان، وعن استمرار التمشيط، وعن منع العودة إلى بعض المناطق، وعن ضرورة نزع السلاح جنوب الليطاني، يعني أن إسرائيل تريد ترجمة ما تعتبره إنجازًا ميدانيًا إلى معادلة أمنية دائمة أو شبه دائمة. أي أنها لا تتعامل مع وقف النار كإقفال للمعركة، بل كوسيلة لإعادة إنتاجها بشروط أخرى.
وهنا يظهر التباين الحقيقي بين الطرفين. واشنطن تريد إدارة التهدئة بما يخدم التفاوض. إسرائيل تريد إدارة التهدئة بما يخدم تثبيت التفوق وترك الباب مفتوحًا للعودة إلى القوة. الأولى تبحث عن تنظيم الاشتباك، والثانية تبحث عن استثمار الاشتباك. الأولى تريد أن تفتح باب الصفقة، والثانية تريد أن تضمن أن أي صفقة لن تقيد يدها بالكامل. وهذا يعني أن الحديث عن أن أميركا منعت إسرائيل من مهاجمة لبنان لا يجب أن يُقرأ بوصفه نهاية المشكلة، بل بوصفه تأجيلًا لها، أو ضبطًا لتوقيتها، في انتظار اتضاح الصورة الأوسع مع إيران.
المواد الإسرائيلية التي تتحدث عن خسائر ضخمة في إيران ولبنان، وعن أرقام كبيرة في الصواريخ والأهداف والبنى المدمرة، يجب النظر إليها من زاويتين. الأولى أنها تعكس ما تريد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قوله عن نفسها وعن نتائج الحرب. والثانية أنها تشكل جزءًا من محاولة بناء موقف تفاوضي وسياسي، لا مجرد سرد لوقائع الميدان. فإسرائيل تريد أن تقول: نحن لم نصل إلى هذه المرحلة من موقع الحاجة إلى الخروج، بل من موقع القوة التي تريد أن تحول إنجازها العسكري إلى شروط سياسية وأمنية ملزمة. ولهذا فإن وظيفة هذه الأرقام ليست فقط إقناع الداخل، بل أيضًا دعم السقف الإسرائيلي في مرحلة ما بعد النار.
وفي خلفية هذا كله، لا تبدو إسرائيل الداخلية هادئة. فالتقارير عن تحركات المعارضة، وعن إعادة ترتيب الأدوار، وعن استمرار التراجع النسبي لمعسكر الحكومة في الاستطلاعات، تعني أن الحرب لم تمنح القيادة الإسرائيلية شيكًا مفتوحًا. صحيح أن الحكومات تحاول دائمًا أن تستثمر لحظات الحرب لتعزيز تماسكها، لكن طول المعركة وكلفتها ونتائجها المركبة تبقي الأسئلة مفتوحة داخل الداخل الإسرائيلي نفسه. وهذا عنصر مهم، لأن أي قرار بالمضي في التهدئة أو العودة إلى الحرب لا يُصنع فقط على الحدود، بل أيضًا تحت ضغط السياسة الداخلية.
في المحصلة، ما نشهده ليس سلامًا، وليس انفجارًا شاملًا، بل مرحلة وسطى دقيقة. واشنطن تحاول أن تفصل المسارات لتسهيل التفاوض. إسرائيل تحاول أن تحول الهدنة إلى فرصة لصياغة جنوب لبنان وفق احتياجاتها الأمنية. إيران تحاول أن تدخل التفاوض من دون أن تبدو في موقع الانكسار الكامل. ولبنان يبقى في قلب هذا الاشتباك، لا لأنه الطرف الأقوى فيه، بل لأنه الساحة التي يحاول الجميع إعادة تعريفها بما يخدم توازناتهم الخاصة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الآن ليس: هل انتهت الحرب؟ بل: من سينجح في كتابة شكل المرحلة التالية؟ واشنطن تريدها مرحلة تفاوض منظم. إسرائيل تريدها مرحلة أمن مشروط بالقوة. وإيران تريدها مرحلة تثبيت بقاء من دون تقديم صورة هزيمة. وبين هذه المشاريع كلها، يبقى لبنان أمام أخطر الاحتمالات: أن يُقال إنه خرج من المسار الإيراني، بينما يكون قد دخل فقط في نسخة جديدة من الصراع نفسه.





