بين ضجيج الحروب وصمت التكنولوجيا: هل نُعيد إنتاج الهزيمة؟
الكل وقع في المحظور، ولا أحد يستخلص العبرة.
حالة من الحزن العميق تنتابني وأنا أراقب ما يجري في منطقتنا العربية؛ واقع يمكن وصفه بأننا نساق فيه، بلا إرادة حقيقية، نحو هاوية سحيقة حالكة الظلام. تتباين ردود الأفعال بين حكومات ونخب ومفكرين وشعوب، لكنها – للأسف – تتقاطع جميعها عند السطحية: تارة يُطرح الخلاص بوصفه مشروعًا فرديًا، وتارة يُختزل الفشل في تبريرات شخصية، وما بينهما تعلو الأصوات، وتضج الحناجر، وتنتشر لغة الردح بدل التفكير.
لا شك أن ما يجري في الشرق الأوسط من حروب وصراعات معقد ومتشابك، وقد أطنب المحللون في تفكيك أسبابه: من الملف النووي الإيراني، إلى مضيق هرمز، إلى صراعات النفوذ والطاقة، إلى ما يحدث في غزة بين توصيفات الحرب الدينية أو الإبادة. كل هذه التفسيرات قد تحمل شيئًا من الصحة، لكن الإشكال الحقيقي ليس في التحليل، بل في الانغماس فيه حدّ الغفلة عن الصورة الأوسع.
عند مراجعة تاريخ المنطقة، نجد أننا مررنا بتجربة مشابهة. خلال الثورة الصناعية، انشغلنا نحن بقضايا البقاء اليومي: مقاومة، اعتقالات، مظاهرات، وصراعات داخلية، بينما كانت الدول الكبرى تبني قوتها الصناعية والتكنولوجية. وعندما استفَقنا، وجدنا أنفسنا على هامش التاريخ؛ هم يمتلكون القطارات والطائرات، ونحن نلهث لشراء ما تقادم منها بأثمان باهظة.
اليوم، نكاد نعيد السيناريو ذاته، ولكن في سياق أكثر خطورة: الثورة التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. في الوقت الذي تنشغل فيه منطقتنا بالحروب والأزمات والكوارث، تمضي الدول المتقدمة بخطى متسارعة نحو بناء مستقبل تقوده الخوارزميات والروبوتات. تشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع القدرات الاقتصادية لتلك الدول بنسب كبيرة خلال سنوات قليلة، ما يعني فجوة حضارية جديدة قد تكون أعمق من سابقتها.
الخطر لا يكمن فقط في التخلف عن الركب، بل في أن نستيقظ يومًا لنجد أن أدوات القوة والسيطرة لم تعد عسكرية فقط، بل رقمية وتقنية، وأننا خارج المعادلة تمامًا. حينها لن يكون الاحتلال تقليديًا، بل قد يأتي في صورة هيمنة تكنولوجية شاملة.
الأكثر إيلامًا أن جزءًا من وعينا لا يزال أسير صراعات الماضي؛ نعيد اجترار خلافات تاريخية، ونُسقطها على واقعنا، فنمزق الحاضر ونُربك المستقبل. شخصيات رحلت منذ قرون لا تزال تُستدعى لتقسيمنا، بينما العالم يبني واقعه الجديد دون أن يلتفت إلينا.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في فهم ما يجري، بل في إعادة توجيه البوصلة: من ردّ الفعل إلى الفعل، من الضجيج إلى العمل، من استهلاك الأحداث إلى صناعة المستقبل. الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية؛ ومن لا يكون جزءًا من معادلته، سيدفع ثمن الغياب لعقود قادمة.
في الختام: الخطر لم يعد احتلال الأرض، بل احتلال القرار، والمعرفة، والقدرة. احتلال ناعم، عميق، لا يُرى بالعين المجردة. حين نستفيق، قد نجد أن العالم قد أُعيد تشكيله دوننا، وأننا مجرد مستهلكين في هامش حضارة لا نشارك في صناعتها.
هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل صرخة إنذار. إما أن نكسر هذه الدائرة المغلقة، ونُعيد بناء أولوياتنا على أساس العلم والتكنولوجيا والإنسان، أو سنُكتب في هامش التاريخ مرة أخرى.
العالم لا ينتظر… والتاريخ لا يرحم… ومن لا يصنع مستقبله، سيُفرض عليه مستقبل الآخرين.





