بين “الترند” والتعصب.. حين تتحول صفحات الأندية إلى وقود للديربي

هناك فرق كبير بين أن تصنع الأندية “الفرجة”، وأن تتحول بنفسها إلى طرف مباشر في صناعة التوتر. وما عاشه الفضاء الرقمي خلال “الديربي” الأخير بين الرجاء والوداد لم يكن مجرد تبادل ساخر بين صفحتين رسميتين، بل صورة واضحة عن التحول العميق الذي أصاب كرة القدم الحديثة، حيث أصبحت المعارك تبدأ على الهاتف قبل أن تصل إلى المدرجات.
في السابق، كانت الجماهير وحدها من تتولى مهمة “الحرب النفسية”، عبر الأهازيج واللافتات والشعارات الساخرة. أما اليوم، فقد دخلت الصفحات الرسمية على الخط، مستفيدة من قوة التأثير التي تمنحها مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا تغيرت المعادلة بالكامل، لأن أي رسالة تصدر عن حساب رسمي لا تُقرأ باعتبارها مجرد مزحة، بل باعتبارها موقفاً يمثل مؤسسة كاملة بتاريخها ورمزيتها وجمهورها.
المثير في ما حدث أن التراشق الرقمي لم يكن عفوياً أو بريئاً كما حاول البعض تصويره، بل بدا وكأنه سباق مدروس نحو حصد “الترند” والتفاعل الجماهيري. كل منشور كان مصمماً لإثارة الانفعال، وكل رد كان يرفع منسوب الاستقطاب أكثر. والنتيجة أن المباراة تحولت من حدث رياضي إلى معركة رمزية مفتوحة، يتغذى فيها الجمهور على مشاعر الاستفزاز والانتصار الوهمي قبل حتى أن تنطلق الكرة فوق أرضية الملعب.
المشكلة أن منطق مواقع التواصل يقوم أساساً على الإثارة. المحتوى الهادئ لا ينتشر، أما الاستفزاز والسخرية والصدام فهي الوقود الحقيقي لخوارزميات التفاعل. لذلك تسقط بعض الأندية في فخ الاعتقاد بأن النجاح الرقمي يقاس بعدد المشاركات والتعليقات، حتى لو كان الثمن توسيع دائرة الاحتقان بين الجماهير.
لكن ما يغيب أحياناً عن القائمين على التواصل الرقمي هو أن جمهور كرة القدم ليس كتلة متجانسة من المتابعين الهادئين، بل جمهور عاطفي سريع الانفعال، خصوصاً في مباريات الديربي التي تُبنى تاريخياً على الحساسية والندية والصراع الرمزي. لذلك فإن أي رسالة مستفزة قد تتحول بسهولة من مجرد “ميم” أو منشور ساخر إلى شرارة توتر حقيقي في الشارع.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تمنح التعصب شكلاً حديثاً وناعماً. فبدل العنف المباشر، يتم تسويق الاستفزاز على أنه “إبداع”، ويتم تقديم السخرية العدائية باعتبارها “تسويقاً ذكياً”. غير أن النتيجة واحدة: المزيد من الانقسام، والمزيد من الشحن النفسي، والمزيد من تحويل المنافس الرياضي إلى خصم وجودي.
ثم جاءت واقعة ملصقات “CASA ROJA” بمركب الوازيس لتؤكد أن الحدود بدأت تختفي بين المنافسة الرياضية والاستفزاز الميداني. لأن المساس برمزية فضاء النادي المنافس لا يُفهم جماهيرياً كجزء من الترفيه، بل كرسالة تحدٍّ مباشر. ومن هنا يمكن فهم حجم الغضب الذي أعقب تلك الصور، والحديث عن إمكانية اللجوء إلى لجنة الأخلاقيات.
الأكيد أن كرة القدم المغربية دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها الصراع محصوراً داخل المدرجات، بل امتد إلى العالم الرقمي بكل تأثيره وسرعته وخطورته. ولذلك بات ضرورياً فتح نقاش حقيقي حول مسؤولية الصفحات الرسمية للأندية، وحدود الحرية في صناعة المحتوى الرياضي، خاصة في بيئة تعيش أصلاً على إيقاع الاحتقان الجماهيري.
فالأندية ليست شركات ترفيه عادية، بل مؤسسات لها تأثير اجتماعي واسع. وحين تتحول لغة التواصل فيها إلى أداة للاستفزاز، فإنها تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج مناخ مشحون قد يدفع ثمنه الجميع لاحقاً.
The post بين “الترند” والتعصب.. حين تتحول صفحات الأندية إلى وقود للديربي appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.





