بين الترقب والمبادرات وتهديدات الرئيس الأمريكي.. هل تقترب لحظة الحسم؟
قال الإعلامي الليبي والباحث في الشؤون السياسية الدولية، إدريس أحميد، إن الحرب الإيرانية–الأمريكية المستمرة وضعت العالم أمام اختبار حقيقي لتوازنات القوى الدولية وقدرة النظام الدولي الحالي على احتواء الأزمات، رغم المساعي الدبلوماسية لوقف التصعيد. وأوضح أن إيران رفضت أي هدنة مؤقتة، مقابل تقلب خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين التهديد بمحو الحضارة الفارسية ومدح الشعب الإيراني، ما يعكس تكتيكًا أمريكيًا قائمًا على الضغط الأقصى، خاصة مع وجود حديث داخلي في واشنطن عن تقييد صلاحيات الرئيس.
وسجل الباحث ذاته، في مقال توصلت به جريدة هسبريس الإلكترونية، أن كل المؤشرات العسكرية توحي باحتمال وقوع ضربات أمريكية–إسرائيلية مفاجئة، قد تفتح الباب أمام رد أوسع يعيد تشكيل خريطة الصراع في المنطقة، خاصة مع استمرار رفض إيران للحلول المرحلية، مما يجعل التسوية بعيدة، ويترك العالم أمام خيارين لا ثالث لهما: تصعيد مفاجئ يعيد ترتيب قواعد اللعبة، أو تسوية متأخرة تُفرضها التوازنات.
نص المقال:
بعد مرور 39 يومًا على اندلاع الحرب الأمريكية–الإيرانية، يقف العالم في حالة ترقب غير مسبوقة، بين مساعٍ دبلوماسية متسارعة وتصعيد عسكري مفتوح على كل الاحتمالات. فالمشهد لم يعد مواجهة تقليدية، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لتوازنات القوى الدولية وقدرة النظام العالمي على احتواء الأزمات.
في هذا السياق، تتواصل المبادرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الوساطة الباكستانية التي سعت إلى طرح مقترحات لوقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي شامل. غير أن إيران ردّت برفض واضح لأي هدنة مؤقتة، مؤكدة أن هدفها يتمثل في إنهاء الحرب بشكل دائم، مقابل رفع العقوبات، وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب داخلها وفي حلفائها الإقليميين.
في المقابل، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقف شديد التعقيد؛ إذ يجمع خطابه بين التهديد والتراجع، وبين التصعيد والدعوة إلى التفاوض. فمن جهة، لوّح بخيارات قصوى وصلت إلى التهديد بمحو “الحضارة الفارسية”، ومن جهة أخرى أشاد بالشعب الإيراني ودعا إلى حمايته، في تناقض يعكس حالة من التردد، أو ربما تكتيكًا تفاوضيًا قائمًا على الضغط الأقصى.
هذا التذبذب لا ينفصل عن الواقع الداخلي المنقسم داخل الولايات المتحدة، حيث تتزايد الضغوط السياسية وتتعدد مراكز القرار بين من يدفع نحو الحسم العسكري ومن يحذر من كلفة الحرب وتداعياتها. وقد تصاعدت في هذا الإطار دعوات لتقييد صلاحيات الرئيس، بل والحديث عن إمكانية تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي، في ظل مخاوف من اندفاع غير محسوب نحو تصعيد قد يتجاوز حدود السيطرة.
وعلى الرغم من الحراك الدبلوماسي، يبدو أن الاتفاق لا يزال بعيد المنال؛ فالفجوة بين شروط الأطراف كبيرة، وكل طرف يسعى إلى تحقيق مكاسب تحفظ ماء الوجه. بالنسبة لترامب، لا يبدو القبول بتسوية ممكنًا دون إعلان “انتصار”، بينما تشير الوقائع الميدانية إلى أن صمود إيران يمثل بالنسبة إليها “إنجازًا استراتيجيًا”، بل “انتصارًا مؤلمًا” لخصومها.
عسكريًا، تتجه المؤشرات نحو احتمال التصعيد؛ فالتجهيزات الأمريكية–الإسرائيلية قائمة، والسيناريو الأكثر ترجيحًا هو تنفيذ ضربات مفاجئة من حيث التوقيت، لكن تأثيرها يظل موضع تساؤل. فهل ستنجح في إضعاف القدرات الإيرانية، أم أنها ستفتح الباب أمام رد إيراني أوسع يعيد تشكيل خارطة الصراع في المنطقة؟
وفي موازاة ذلك، تلعب القوى الدولية دورًا مؤثرًا في ضبط الإيقاع، حيث أسهمت كل من الصين وروسيا في تعطيل مشروع قرار يتعلق بمضيق هرمز في مجلس الأمن الدولي، ما يعكس استمرار التوازن الدولي ورفض انفراد طرف واحد بتحديد مسار الأزمة.
اقتصاديًا، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح، مع الارتفاع المستمر في أسعار النفط، ما يزيد الضغط على الاقتصاد العالمي ويجعل استمرار الحرب خيارًا مكلفًا للجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
أما داخليًا، فتبدو الجبهة الإيرانية أكثر تماسكًا، حيث تحولت التهديدات الخارجية إلى عامل تعبئة وطنية عزز من صمود المجتمع ورفع منسوب التحدي، وهو ما يفسر جزئيًا التناقض في خطاب دونالد ترامب، الذي يدرك أن الضغط على النظام لا يعني بالضرورة انهيار الداخل.
في المقابل، يسعى بنيامين نتنياهو إلى استمرار الحرب لتحقيق أهداف استراتيجية، إلا أن تطورات الميدان، خصوصًا الضربات الإيرانية وحلفائها، بدأت تفرض واقعًا جديدًا داخل العمق الإسرائيلي، ما يجعل كلفة المواجهة أكثر تعقيدًا.
كما برزت تحركات دبلوماسية يقودها وزير الخارجية الإيراني الأسبق، جواد ظريف، إلى جانب وساطات إقليمية تضمنت مقترحات لوقف إطلاق النار لمدة 45 يومًا، وإدارة مشتركة لمضيق هرمز، وميثاق أمني إقليمي، لكنها اصطدمت برفض إيراني لأي حلول مرحلية.
وسط هذا المشهد المعقد، يبقى العالم أمام مفترق طرق حقيقي: إما تصعيد مفاجئ قد يعيد رسم قواعد الاشتباك، أو تسوية متأخرة تُفرض تحت ضغط التوازنات. وبين الترقب والمبادرات وتهديدات دونالد ترامب لإيران… قد تكون لحظة الحسم أقرب مما يتوقعه الجميع.
The post بين الترقب والمبادرات وتهديدات الرئيس الأمريكي.. هل تقترب لحظة الحسم؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.


