بين السكوري واطريشا.. صراع النفوذ يربك قطاع التكوين ويؤدي ثمنه المغاربة
لم يعد الخلل في قطاع التشغيل والتكوين المهني بالمغرب مرتبطاً فقط بالأرقام المقلقة للبطالة، بل أصبح يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الانسجام داخل دواليب القرار، في ظل صراع متصاعد بين وزير الادماج الاقتصادي و المقاولة الصغرى و التشغيل و الكفاءات، يونس السكوري، والمديرة العامة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، لبنى اطريشا.
المعطيات المتداولة في عدد من التقارير تكشف أن العلاقة بين الطرفين لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحولت إلى ما يشبه “حرب مواقع” داخل قطاع حيوي، من المفترض أن يشكل رافعة أساسية لتأهيل الشباب وتقليص البطالة، فقد تحدثت مصادر متطابقة عن توتر متصاعد، وصل إلى حد اتخاذ قرارات وتنظيم أنشطة كبرى دون تنسيق مع الوزارة الوصية، في سلوك يُفهم منه أن المؤسسة تسير بمنطق استقلال فعلي عن السلطة الحكومية .
هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام، فكيف يمكن لمؤسسة عمومية استراتيجية أن تتحرك خارج دائرة التنسيق مع الوزير الوصي؟ وأي رسالة تُبعث حين يبدو أن كل طرف يشتغل وفق أجندته الخاصة، وكأنهما في عالمين متوازيين لا يلتقيان؟
المثير للانتباه أن هذا الصراع لم يعد خافياً، بل أصبح مكشوفاً في تفاصيل التدبير اليومي، حيث تشير المعطيات إلى أن بعض المبادرات الكبرى تمت دون علم الوزير، في ما اعتُبر رسالة واضحة حول ميزان القوة داخل القطاع، بل وذهب الأمر إلى حد اعتبار ذلك “تمرداً ناعماً” على سلطة الإشراف الحكومي للوزير السكوري.
وفي خلفية هذا المشهد، تتردد معطيات عن وجود “جهات نافذة” تدعم هذا الطرف أو ذاك، وتؤثر في مسار القرارات، وهو ما يعمّق الإحساس بأن تدبير قطاع حساس كالتكوين المهني لم يعد محكوماً فقط بمنطق الحكامة، بل بتوازنات نفوذ معقدة، وبين هذا وذلك يدفع المغاربة الثمن غاليا..
ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تتجه الجهود نحو خلق فرص الشغل وتحسين قابلية الإدماج المهني، تُهدر الطاقات في صراعات داخلية، ويظل الباحثون عن العمل عالقين في دائرة الانتظار، والبطالة لا تنتظر تسوية الخلافات، وسوق الشغل لا يرحم ارتباك السياسات العمومية.
ومع استمرار هذا الوضع، تكرس صورة مقلقة عن غياب التنسيق داخل الحكومة، ويطرح مسؤولية سياسية مباشرة على الوزير الوصي، يونس السكوري، الذي يفترض أن يضمن وحدة القرار وانسجام السياسات داخل القطاع، فإما أن يمارس سلطته كاملة، أو أن يفسح المجال لتوضيح حدود المسؤوليات بشكل صريح.
وفي المقابل، فإن أي مؤسسة عمومية، مهما كان حجمها أو أهمية المشاريع التي تشرف عليها، تبقى ملزمة بالعمل داخل إطار الانسجام الحكومي، لأن الخروج عن هذا الإطار لا يمكن أن يُفهم إلا كتحدٍ صريح لمنطق المحاسبة والربط بين المسؤولية والسلطة.
واليوم، لم يعد مقبولاً أن يستمر هذا الوضع الرمادي، حيث تتداخل الصلاحيات وتتصارع الإرادات، بينما تتفاقم مؤشرات البطالة يوماً بعد يوم، المطلوب ليس فقط إنهاء هذا الصراع، بل إعادة ترتيب الأولويات، فالمواطن أولاً، ثم الحسابات “الخاوية” فيما بعد.
فالمغرب لا يحتاج إلى مؤسسات متنازعة، بل إلى منظومة منسجمة قادرة على تحويل التكوين إلى فرصة حقيقية، لا إلى ساحة صراع يدفع ثمنها جيل كامل.




