بين “الجولاني” في إدلب والشرع في أنطاليا
أحمد عسيلي
في الأسابيع الأخيرة، ظهر الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في أكثر من فضاء سياسي دولي، من مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، إلى حواره الشهير في “Chatham House”، وصولًا إلى لقائه رئيس وزراء بريطانيا في “10 داوننغ ستريت”. لم تعد هذه اللقاءات مجرد زيارات بروتوكولية، بل تعكس إدماجًا متزايدًا لشخصية كانت تُقرأ سابقًا خارج الحقل السياسي الدولي، بالتوازي، برزت شخصيات من بيئته في محافل عالمية، حيث دار نقاش مباشر مع نخب غربية رفيعة، أمام هذه التحولات، لم يعد السؤال إذا ما كان الرجل قد تغيّر، بل إذا ما كان المتلقي قادرًا على تحديث صورته عنه.
بالنسبة لبعض السوريين، لا يزال اسم “الجولاني” حاضرًا بقوة، لا بوصفه تسمية فقط، بل كتمثّل كامل، الاسم هنا يستدعي صورة محددة، رجلًا يعيش متخفيًا في المغارات، يتحدث بلغة قديمة وغريبة، خارج السياسة وخارج العالم، هذه الصورة، التي ترسخت لسنوات، لا تترك مجالًا لرؤية تحولات لاحقة، لذلك، فإن الإصرار على استخدام هذا الاسم لا يمكن قراءته كموقف لغوي أو سياسي فحسب، بل كنوع من التثبيت النفسي لصورة قديمة، تتيح استمرار فهم مريح للصراع.
غير أن ما يظهر اليوم يقدّم صورة مختلفة جذريًا، نحن لسنا أمام نموذج “أبو بكر البغدادي”، المتخفي والغائب عن الفضاء العام، بل أمام شخصية حاضرة، تُدعى إلى برلين من قبل الرئيس الألماني، وتلتقط الصور على درج “الإليزيه” مع الرئيس الفرنسي، تجري مقابلات، وتتحرك ضمن فضاءات سياسية معترف بها، هذا الانتقال من الهامش إلى الواجهة لا يربك فقط الخصوم، بل يضعهم أمام تحدي إعادة ترتيب تمثلاتهم، وهو تحدٍّ غالبًا ما يُقابل بالإنكار أو بالتشبث بصورة لم تعد قائمة.
لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى مسار أقدم بدأ يتشكل منذ أواخر التسعينيات في مصر، إذ شهدت تلك المرحلة ما عُرف بـ”المراجعات الفكرية” داخل السجون، حيث أعادت مجموعات إسلامية متشددة النظر في علاقتها مع العنف ومع الدولة، لتنتج لاحقًا صيغة من التعايش مع النظام المصري، بالتوازي مع تلك التحولات، برزت ظاهرة “الدعاة الجدد” التي بدأت مع عمرو خالد، ووصلت إلى ذروتها في أيامنا هذه مع مصطفى حسني ومعز مسعود، حيث لم يعد الداعية الإسلامي صورة لرجل معزول أو متشدد، يلبس ثيابًا من القرون الوسطى ويتحدث بلغتها، بل شاب أنيق، متعلم، يتحدث لغات أجنبية، ويقدّم خطابًا مندمجًا في الحياة اليومية.
في سوريا، لم تتبلور تجربة مماثلة بالحجم نفسه، نتيجة طبيعة النظام السياسي، إلا أن محاولات مشابهة ظهرت مع صعود نجم رجل الدين محمد حبش و تجربة تجديد الخطاب الديني في مركز “الدراسات الإسلامية” بدمشق، حيث جرى تقديم نموذج لإسلامي مثقف ومنفتح، محاط بمريدين من طلاب الجامعات الناجحين أكاديميًا ومهنيًا، والمنفتحين على الحوار مع الغرب، غير أن هذا المسار تعرّض لقطع حاد مع الغزو الأمريكي للعراق، ثم مع الثورة السورية، حيث عادت صورة الإسلامي المقاتل، الخارج عن الدولة، لتسيطر على المخيال الجمعي، وكأن كل التحولات السابقة قد أُعيد محوها.
لكن ما جرى في شمالي سوريا، خصوصًا في تجربة إدلب، أفرز مسارًا فريدًا هناك، لم يقتصر الأمر على العمل العسكري، بل نشأت بيئة أنتجت نخبة جديدة، درست في جامعات محلية ومؤسسات ناشئة، واكتسبت خبرات عملية في الإدارة والتنظيم، هذه النخبة، رغم محدودية الاعتراف الأكاديمي بشهاداتها، استطاعت أن تفرض حضورها عبر قدرتها على إدارة مناطق، وتنظيم تشكيلات، والدخول في مفاوضات مع أطراف دولية تعاملت معها بجدية متزايدة، أحد أبرز تعبيرات هذا التحول كان ظهور شخصيات من هذه البيئة في منتديات دولية، مثل لقاءات “دافوس”، حيث جرى نقاش مباشر بين الشيباني كممثل لهذه النخبة الجديدة من جهة، وطوني بلير كممثل للنخبة السياسية الغربية من جهة أخرى، في مشهد يصعب تخيله قبل سنوات قليلة.
هذا التحول جرى بشكل هادئ وبعيد عن الأضواء في إدلب، مما شكل صدمة للجمهور السوري، فبينما كان بالإمكان استيعاب انتقال “الداعية” إلى فضاء المجتمع، يبدو الانتقال نحو فضاء السياسة الدولية أكثر إرباكًا، وهنا، لا يعود الإصرار على تسميات قديمة مجرد موقف، بل يصبح آلية دفاع نفسي، تحاول تثبيت صورة لم تعد تتطابق مع الواقع.
المفارقة أن هذا الفاعل الجديد قوي داخليًا، لأنه يعرف المجتمع الذي خرج منه ويتشارك معه منظومته القيمية، وقوي خارجيًا، لأن الأطراف الدولية تدرك أنه يمسك فعليًا بزمام الأمور، في المقابل، يبدو أن بعض خصومه يواجهون صعوبة في الاعتراف بهذا التحول، فيستمرون في استدعاء صور قديمة تمنحهم وضوحًا نفسيًا، لكنها تبعدهم عن الواقع.
في هذا المعنى، لا تكمن المسألة في الدفاع عن هذا النموذج أو رفضه، بل في القدرة على فهمه، فالمعارض لا يواجه اليوم خصمه بقدر ما يواجه صعوبة في الاعتراف بأن هذا الخصم قد تغيّر، وأن العالم كله غيّر تعامله معه، ومن يصرّ على إنكار هذا التحول، لا يخاطر فقط بسوء التقدير السياسي، بل بأن يجد نفسه، دون أن يدري، في الموقع الذي كان ينسبه لخصمه: خارج الزمن، وفي مغارة الماضي، بينما من كان فيها يومًا، أصبح الآن لاعبًا دوليا مهمًا.


