بين "الفرصة الفرنسية" وواقع الحرب… مفاوضات مؤجلة على وقع الانقسام
في لحظة تختلط فيها النار بالديبلوماسية، تعود فكرة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية إلى الواجهة، مدفوعة بحراك فرنسي يحاول التقاط ما تصفه باريس بـ"فرصة تاريخية". لكن خلف هذا العنوان العريض، تتكشف صورة أكثر تعقيداً، حيث تتقدم المبادرات على الورق، فيما يتراجع منسوب الواقعية على الأرض.
بحسب مصادر مطلعة فإن التحرك الذي قاده وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لم يحقق اختراقاً مباشراً، لكنه رسم خطوطاً عريضة لمسار تفاوضي محتمل، يقوم على الانتقال من قنوات ديبلوماسية إلى مستوى سياسي، وصولاً إلى اتفاق يضع حداً لحالة الحرب المزمنة بين لبنان وإسرائيل. باريس تعرض استضافة هذا المسار، أو نقله إلى منصات محايدة كقبرص، في محاولة لتوفير غطاء دولي وشكل تفاوضي مقبول للطرفين.
لكن المشكلة لا تكمن في الشكل، بل في التوقيت والمضمون. فحتى الجهات التي تدفع نحو التفاوض تدرك أن الظروف لم تنضج بعد. إسرائيل لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات سياسية، بل تميل إلى فرض وقائع ميدانية والتفاوض من موقع القوة، فيما يربط حزب الله أي تهدئة بمسار إقليمي أوسع، يتجاوز الحدود اللبنانية، وبرفض التفاوض تحت النار. بين هذين المسارين، يقف القرار الرسمي اللبناني في موقع هش، عاجز عن تحويل الرغبة في التهدئة إلى سياسة ملزمة على الأرض.
المقترحات المتداولة، وإن بقيت في إطار الأفكار، تلامس ملفات شديدة الحساسية، من إعادة انتشار الجيش جنوب الليطاني إلى ترتيبات أمنية تتصل بسلاح "حزب الله"، وصولاً إلى تفاهمات طويلة الأمد. وهي عناوين لا يمكن فصلها عن الانقسام الداخلي العميق، ولا عن موازين القوى التي تحكم المشهد اللبناني اليوم.
في هذا السياق، تبرز المخاوف من أن يتحول أي مسار تفاوضي إلى عملية غير متكافئة، خصوصاً إذا انطلق في ظل حرب مفتوحة وضغط عسكري مستمر. هذه الهواجس عبّر عنها مقربون من "حزب الله"، والتي حذرت من الذهاب إلى مفاوضات من موقع ضعيف، ومن دون توافق داخلي واضح يحدد السقف والضوابط، ما قد يفتح الباب أمام التزامات لا تقابلها ضمانات فعلية.
في المقابل، تحاول باريس تسويق مقاربة موازية تقوم على منع الانزلاق نحو تصعيد أكبر، وخصوصاً اجتياح بري واسع للجنوب، انطلاقاً من قناعة بأن أي خطوة من هذا النوع ستعيد إنتاج أسباب الصراع بدل حلّه، وتمنح الحزب زخماً إضافياً في بيئته، من دون أن تحقق استقراراً دائماً.
غير أن العقدة الأساسية تبقى خارج الإطار الفرنسي. فواشنطن، رغم دعمها النظري لأي مسار تفاوضي، لا تبدو في وارد كبح التصعيد الإسرائيلي حالياً، انطلاقاً من اعتبارها أن المواجهة في لبنان جزء من صراع أوسع مع إيران. وهذا الواقع يحدّ من قدرة باريس على تحويل مبادرتها إلى مسار فعلي، ويجعلها أقرب إلى محاولة تنظيم الصراع لا إنهائه.
هكذا، تبدو المفاوضات الممكنة نظرياً مؤجلة عملياً. لا لأن الفكرة غير مطروحة، بل لأن عناصرها غير مكتملة: لا قرار إسرائيلي بوقف الحرب، ولا توافق لبناني داخلي، ولا مظلة إقليمية تسمح بفصل الجبهة اللبنانية عن حسابات أكبر. وبين هذه التناقضات، تبقى "الفرصة" التي تتحدث عنها باريس قائمة في العناوين، لكنها معلّقة بانتظار تبدّل الوقائع.





