بين البعوض والجرذان .. مخيمات النازحين في غزة تواجه كارثة صحية صامتة

خاص المركز الفلسطيني للإعلام
في مخيمات النازحين المكتظة غرب مدينة غزة، لم تعد قسوة الواقع تُقاس بفقدان المنازل أو ندرة الغذاء والمياه فقط، بل باتت تمتد إلى جبهة صحية مفتوحة، حيث تحوّلت أماكن الإيواء إلى بيئة مثالية لانتشار الحشرات والقوارض وتفشي الأمراض.
الخيام المتلاصقة، والمياه الراكدة بين الممرات الضيقة، وتراكم النفايات في محيط المخيمات، كلها عوامل أسهمت في خلق بيئة غير صالحة للحياة، ومع غياب برامج فعالة للمكافحة وتراجع الخدمات الصحية، تتسع المخاوف من انفجار وبائي مع اقتراب فصل الصيف.
معاناة ليلية لا تهدأ
داخل أحد مخيمات الإيواء غرب المدينة، تعيش عائلة شرف الدين صراعًا يوميًا مع أسراب البعوض التي تهاجم الخيام بلا توقف.
الأب عادل يصف المشهد بأنه “أقرب إلى الجحيم”، موضحًا أن الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل لساعات طويلة من المقاومة ضد لدغات لا تنتهي.
أطفال العائلة يعانون من التهابات جلدية وحكة مستمرة، بينما تؤكد الأم أن الوضع الصحي يزداد سوءًا في ظل نقص الأدوية وصعوبة الحصول على علاج فعّال.
وتضيف أن بعض الأطفال باتوا عاجزين عن النوم بسبب الألم المستمر، وسط عجز واضح في توفير أي وسائل وقاية حقيقية داخل المخيم.
ورغم محاولات بدائية لطرد الحشرات باستخدام الدخان، إلا أن العائلة تقول إن هذه الحلول لا تتجاوز كونها إجراءات مؤقتة تزيد من معاناة الأطفال بدل أن تحميهم.
الجرذان تقتحم الخيام
في مخيم آخر غرب المدينة، تواجه عائلة محمود أمين واقعًا لا يقل خطورة، حيث أصبحت القوارض جزءًا من المشهد اليومي داخل الخيام. أصوات الجرذان ليلاً لم تعد مفاجئة، بل باتت عادة مألوفة تثير القلق أكثر مما تثير الاستغراب.
العائلة تشير إلى أن الجرذان تصل إلى الطعام وحتى أماكن نوم الأطفال، في ظل غياب أي إجراءات فعالة لمكافحتها.
ومع تزايد حالات الإسهال وآلام المعدة بين الأطفال، يشتبه الأطباء في ارتباط ذلك بتلوث غذائي ناتج عن انتشار القوارض في محيط المخيم.
وتقول العائلة إنها تلجأ إلى وسائل بدائية لحماية الطعام، لكنها تبقى حلولًا محدودة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات النظافة والسلامة.
تحذيرات طبية من تفاقم الأزمة
من داخل عيادة طبية تعمل في ظروف صعبة غرب المدينة، يحذر الطبيب عز الدين الزقزوق من تصاعد مقلق في الحالات المرتبطة بالبيئة غير الصحية داخل المخيمات.
ويؤكد أن الطواقم الطبية تسجل ارتفاعًا في أمراض الجلد الناتجة عن لدغات البعوض، إضافة إلى التهابات بكتيرية وأمراض معوية مرتبطة بتلوث الغذاء وانتشار القوارض.
ويشير إلى أن النظام الصحي يعاني من نقص حاد في الأدوية والإمكانات، ما يحدّ من القدرة على الاستجابة، في وقت تتراجع فيه برامج الصحة العامة ومكافحة الحشرات إلى حدها الأدنى.
ومع اقتراب الصيف، يتوقع الأطباء تفاقم الوضع بشكل أكبر نتيجة تسارع تكاثر البعوض والقوارض، ما ينذر بزيادة الضغط على المرافق الصحية المنهكة أصلًا.
كارثة صامتة تتوسع
بين خيام مكتظة وبيئة غير صالحة للعيش، تتداخل المعاناة الإنسانية مع الخطر الصحي في مشهد واحد. ورغم التحذيرات الطبية المتكررة، تبقى الاستجابة محدودة أمام واقع يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، ما يجعل المخيمات مهددة بأن تتحول من أماكن نزوح مؤقت إلى بؤر مفتوحة للأوبئة.



