بين الأنقاض والذاكرة.. جهود لإنقاذ مكتبة الجامع العمري في غزة
غزة – شيماء أبو سعدة: في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، تظهر مشاهد دمار واسعة داخل الجامع العمري الكبير ومكتبته التاريخية، حيث تحولت أجزاء من المكان إلى ركام بعد تعرضه لأضرار جسيمة خلال الحرب. وبين الأنقاض والغبار وبقايا القصف، تنتشر كتب ومخطوطات مغطاة بطبقات كثيفة من الدمار.
ورغم حجم الخراب، يواصل متطوعون فلسطينيون العمل داخل الموقع في محاولة لإنقاذ ما تبقى من الإرث الثقافي والمعرفي الذي احتفظت به المكتبة لعقود طويلة.
مكتبة تاريخية تواجه خسائر كبيرة بعد الحرب..
تُعد مكتبة الجامع العمري الكبير في مدينة غزة واحدة من أقدم المكتبات في فلسطين، وتحمل قيمة تاريخية ومعرفية بارزة في الذاكرة الثقافية للقطاع.
وخلال الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لعامين، تعرضت المكتبة لأضرار جسيمة ضمن دمار واسع طال عدداً كبيراً من المواقع الثقافية والدينية في غزة.
وبدأت مجموعات من المتطوعين الفلسطينيين، في 26 فبراير/شباط 2026، عمليات إنقاذ وترميم أولية للكتب والمخطوطات التي تضررت داخل المكتبة في البلدة القديمة بمدينة غزة.
ووفق تقديرات سابقة، كانت المكتبة تحتوي على نحو 20 ألف كتاب، إلا أنه لم يتبقَّ منها حالياً سوى أقل من 4 آلاف كتاب بعد الدمار.
كما أشارت تقارير لوكالة الأمم المتحدة الثقافية (اليونسكو) إلى تضرر 150 موقعاً ثقافياً منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
مخطوطات مهددة بالضياع وسط ظروف بيئية قاسية
في سياق الحديث عن واقع المكتبة، تشير حنين العمصي، مديرة فريق "عيون على التراث"، إلى أن دخول الفريق إلى الموقع في المرة الأولى كان تجربة “مؤثرة وصادمة” نتيجة حجم الدمار الذي شهده المكان.
وتوضح أن المخطوطات والكتب كانت مبعثرة داخل القاعات بشكل عشوائي، دون أي إجراءات تنظيم أو حفظ، بعد أن تسببت أعمال القصف في تدمير أجزاء واسعة من المبنى.
وتضيف أن الوضع البيئي داخل المكتبة يفاقم من خطورة الحالة، حيث تتعرض المواد الورقية للرطوبة والهواء المفتوح، إضافة إلى دخول بعض الكائنات إلى القاعات المتضررة، ما ساهم في تسريع تلف جزء من المحتوى.
كما تشير إلى أن المكتبة تحتوي على مجموعة من المخطوطات التاريخية التي تعود إلى فترات زمنية قديمة، من بينها الحقبة العثمانية، وتشمل موضوعات في الفقه واللغة والعلوم الطبية، إلى جانب كتب دينية وتراثية تشكل جزءاً مهماً من الذاكرة الثقافية لمدينة غزة.
وتحذر من أن عدداً من هذه المخطوطات يُعد نسخاً نادرة يصعب تعويضها أو استبدالها، ما يجعل خسارتها المحتملة خسارة معرفية وتاريخية كبيرة.
مخطوطات مهددة بالفقدان بسبب الظروف البيئية
يواجه المتطوعون تحديات كبيرة أثناء محاولات الإنقاذ، إذ تعرضت المخطوطات للرطوبة والحرارة والهواء المباشر بعد انهيار أجزاء من المبنى، ما جعل بعضها عرضة للتلف السريع.
ويشير العاملون إلى أن بعض الكتب التي تم العثور عليها تحتوي على عفن وغبار كثيف ناتج عن الحريق والقصف، وهو ما يتطلب تنظيفاً دقيقاً باستخدام أدوات بسيطة وغير متخصصة.
وبحسب متطوعين يعملون في المكان، فإن كثيراً من الكتب باتت ملقاة بشكل عشوائي على الأرض دون أي نظام للحفظ أو الفهرسة، ما يزيد من خطر تلفها بشكل كامل.
وتحذر جهات محلية من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى فقدان جزء كبير من المخطوطات النادرة التي لا يمكن تعويضها.
جهود تطوعية لإحياء ما يمكن إنقاذه
داخل أروقة المسجد المدمّر، يعمل المتطوعون على تنظيف الكتب واحدة تلو الأخرى باستخدام فرش صغيرة وقفازات ووسائل بدائية، في محاولة لإعادة الحياة إلى ما تبقى من الذاكرة المكتوبة للمكان.
ويصف المشاركون هذه العملية بأنها "إسعاف أولي" للكتب، حيث يتم عزل المواد المتضررة عن غيرها للحد من انتشار التلف، رغم غياب المعدات المتخصصة اللازمة لعمليات الترميم.
ورغم صعوبة العمل داخل بيئة مليئة بالركام والغبار، يواصل المتطوعون جهودهم باعتبارها محاولة للحفاظ على جزء من التراث الثقافي للمدينة.
الجامع العمري.. رمز تاريخي يمتد لقرون
يُعد الجامع العمري الكبير واحداً من أقدم وأهم المعالم التاريخية في قطاع غزة، ويعود تأسيسه إلى أكثر من ألف عام، حيث مر بعدة مراحل من البناء والتوسعة عبر العصور.
ويحتل المسجد مكانة بارزة في الذاكرة الثقافية والدينية للمدينة، كما تُعتبر مكتبته جزءاً أساسياً من هذا الإرث، لاحتوائها على مخطوطات تعود إلى عصور مختلفة، بعضها يتجاوز مئات السنين.
تأتي هذه الأضرار في ظل دمار واسع طال العديد من المعالم الثقافية والتاريخية في قطاع غزة خلال الحرب، ما يثير مخاوف من فقدان أرشيفات ومخطوطات تمثل جزءاً من الهوية الثقافية للمدينة.
ويؤكد متطوعون أن ما يقومون به اليوم لا يقتصر على إنقاذ كتب، بل هو محاولة للحفاظ على الذاكرة الثقافية لغزة من الضياع.





