بين الاحتلال والإصلاح.. إشكاليات الحوكمة في الحالة الفلسطينية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في سياق دولي تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، برزت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كإطار معياري عالمي يسعى إلى ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة، وحماية المال العام من الهدر والاستغلال. غير أن تصاعد النزاعات المسلحة، خاصة في العالم العربي، أعاد تشكيل بيئة الحوكمة العامة بشكل جذري، وفرض معوقات بنيوية عميقة أعاقت تنفيذ هذه الاتفاقية، بل وأضعفت فعاليتها في أكثر السياقات احتياجًا لها.ولا يقتصر الأمر في العالم العربي على كونه ساحة نزاعات داخلية، بل يتجاوز ذلك ليصبح في كثير من الأحيان مجالًا لتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية تستخدم أراضيه وموارده لتحقيق غايات سياسية واستراتيجية. هذا التوظيف الخارجي يعمّق من هشاشة الدول، ويُضعف استقلالية القرار الوطني، كما يخلق بيئات أكثر عرضة للفساد، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الاقتصادية، وتُمنح الامتيازات أو تُدار الموارد وفق توازنات النفوذ لا وفق معايير الشفافية والمساءلة. وفي ظل هذه الديناميات، تتعقد جهود مكافحة الفساد، إذ لا تعود مرتبطة فقط بإصلاح داخلي، بل تتأثر أيضًا بشبكات مصالح عابرة للحدود يصعب إخضاعها للمساءلة التقليدية.الحروب، بطبيعتها، لا تقتصر على تدمير البنية التحتية المادية، بل تمتد لتقويض أسس الدولة ذاتها، بما في ذلك المؤسسات الرقابية، وأجهزة إنفاذ القانون، والنظم القضائية. وفي ظل هذا التآكل، تتراجع سيادة القانون، وتُستبدل أولويات الإصلاح والرقابة بأولويات البقاء والأمن. كما أن تعدد الفاعلين، وتداخل السلطات، وظهور قوى غير رسمية، كلها عوامل تخلق بيئات ضبابية تضعف الشفافية وتُعقّد المساءلة.في هذه البيئات، تتفاقم مخاطر الفساد بشكل ملحوظ، سواء من خلال استغلال الموارد العامة، أو سوء إدارة المساعدات، أو التلاعب بعقود إعادة الإعمار، أو الالتفاف على القيود التجارية. ويزداد الأمر تعقيدًا مع تراجع التعاون الدولي نتيجة التوترات السياسية، مما يعيق تبادل المعلومات واسترداد الأصول المنهوبة. كما أن حالات الطوارئ تُستخدم أحيانًا لتبرير توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الشفافية، ما يفتح المجال أمام ممارسات فاسدة يصعب تتبعها أو محاسبتها.وفي ظل هذه التحديات، تصبح اتفاقية مكافحة الفساد، رغم أهميتها، أداة محدودة الفاعلية ما لم تُدعّم بآليات مرنة تتكيف مع واقع النزاع، وتُراعي هشاشة المؤسسات، وتُعزز دور الفاعلين الم...





