بريد المغرب.. مؤسسة خارج الزمن وإدارة تُراكم الأزمات بدل حلّها
يبدو أن الاختلالات داخل بريد المغرب لم تعد مجرد شكاوى معزولة، بل تحولت إلى أزمة بنيوية مكشوفة، بعد المذكرة التي وجهتها النقابة الوطنية للبريد المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والتي وضعت إدارة المؤسسة أمام مرآة واقع لا يمكن تجميله.
المذكرة لم تكتف بتعداد المطالب، بل قدّمت تشخيصاً قاسياً يفضح منطق تدبير يوصف بالظرفي، في وقت يفترض فيه أن تكون المؤسسة في قلب التحولات الرقمية واللوجستيكية، غير أن ما يظهر، بحسب ما جاء في الوثيقة، هو إدارة تفتقر إلى رؤية استراتيجية واضحة، وتُفضل الحلول الترقيعية على الإصلاحات العميقة.
اللافت أن الانتقادات لم تتوقف عند الجوانب الاجتماعية، بل امتدت إلى خيارات توصف بالحساسة، خصوصاً ما يتعلق بعلاقة بريد المغرب مع البريد بنك، وعمليات تفويت العقارات التي تثير أكثر من علامة استفهام، فبدل أن تعزز هذه العمليات قوة المؤسسة، يراها متابعون مساراً غامضاً قد يُضعف استقلاليتها المالية ويضعها أمام مخاطر غير محسوبة.
أما على المستوى المهني، فالصورة تبدو أكثر قتامة، من شغيلة تعاني من هشاشة متزايدة، أنظمة عمل متجاوزة، واعتماد مفرط على المناولة والتشغيل المؤقت، في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً بين خطاب التحديث وواقع تقليدي يثقل كاهل العاملين، خاصة الموزعين الذين يواجهون ضغوطاً يومية في الميدان دون دعم حقيقي.
ولم تُخفِ النقابة انتقادها لأساليب التدبير الداخلي، مشيرة إلى غياب الشفافية في إسناد المسؤوليات واستمرار منطق “الولاءات” بدل الكفاءة، في وقت يُفترض فيه أن تكون الحكامة الجيدة هي القاعدة لا الاستثناء، وهو ما يطرح، مرة أخرى، سؤال المساءلة داخل مؤسسة عمومية يفترض أن تكون نموذجاً في التدبير.
الأخطر في كل هذا، أن إدارة المؤسسة، بقيادة المدير العام لبريد المغرب أحمد أمين بنجلون التويمي، تبدو وكأنها تكتفي بإدارة الأزمة بدل حلّها، عبر تكرار نفس الوعود دون تنزيل فعلي، ما يجعل “السلم الاجتماعي” داخل المؤسسة على حافة التوتر، خاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.





