لاحقا، في عام 2019، تسارعت وتيرة البرنامج بعد توجيهات حكومية أميركية دعت إلى تسريع العودة إلى القمر. ومنذ ذلك الحين، أصبح برنامج "أرتميس" حجر الأساس لخطط "ناسا" المستقبلية، ليس فقط لاستكشاف القمر، بل أيضا كخطوة أساس نحو إرسال البشر إلى كوكب المريخ.
وتزداد أهمية هذا المسار إذا ما علمنا أن البشر لم يغادروا مدار الأرض منذ عام 1972، مع مهمة "أبولو 17"، وهو ما يجعل برنامج "أرتميس" أول محاولة حقيقية لإعادة الإنسان إلى القمر بعد أكثر من نصف قرن.
ولم يعد برنامج "أرتميس" مجرد مشروع مرتبط بإدارة سياسية واحدة، بل تحول إلى مشروع دولة مستمر يتجاوز تغير الرؤساء. فمع الانتقال من إدارة ترمب إلى بايدن، لم يتم إلغاء البرنامج أو حتى تقليصه بشكل جذري، بل استمر بزخم واضح، مما جعله أقرب إلى كونه التزاما استراتيجيا يعكس صورة الولايات المتحدة كقوة رائدة في الوصول إلى القمر والفضاء العميق.
ومع عودة ترمب إلى المشهد السياسي، تصاعدت لهجة الخطاب المرتبط بالبرنامج مرة أخرى، وبدأ التركيز بشكل أكبر على البعد الرمزي والسياسي إلى جانب البعد العلمي. ففي مارس/آذار 2026، أعلنت "ناسا" أنها تعمل على تسريع وتيرة العودة الأميركية إلى سطح القمر في حلول عام 2028، مؤكدة بشكل صريح أن الهدف لا يقتصر على الهبوط، بل يمتد إلى ترسيخ القيادة الأميركية في الفضاء وبناء وجود دائم هناك.
وأوضحت "ناسا" في تحديثها المعماري الصادر في الشهر نفسه أن الجدول الزمني للبرنامج شهد إعادة ترتيب، بحيث تصبح مهمة "أرتميس 3" في عام 2027 مخصصة لاختبار الأنظمة والتقنيات الحيوية، على أن يتم تنفيذ أول هبوط بشري فعلي على القمر ضمن مهمة "أرتميس 4" في أوائل عام 2028 مما يعكس رغبة في تقليل المخاطر التقنية وضمان جاهزية الأنظمة قبل لحظة الهبوط الحاسمة.
الريادة في الفضاء العميق
يكشف هذا التحول في كل من الجدول والخطاب أن الملف القمري في واشنطن لم يعد شأنا تقنيا يخص "ناسا" وحدها، بل أصبح جزءا من سردية أوسع تتعلق بالقدرة الأميركية على الإنجاز الصناعي والتكنولوجي. فبعد سنوات من القلق في شأن تآكل القاعدة الصناعية، واضطراب سلاسل التوريد، والتقدم الصيني في مجالات استراتيجية، بات برنامج "أرتميس" يقدم كاختبار عملي لقدرة الولايات المتحدة على استعادة زخمها الصناعي والتقني.
ويظهر ذلك بوضوح في الوثائق التنفيذية وخطط الميزانية، إذ يتم الربط بين "أرتميس" وأهداف أكبر مثل الحفاظ على الريادة في الفضاء العميق، وتعزيز الصناعة الفضائية الأميركية، وبناء حضور دائم على سطح القمر، يتجاوز فكرة الرحلات الاستكشافية المؤقتة إلى مفهوم الاستيطان الطويل الأمد.
في هذا المعنى، لم يعد القمر مجرد وجهة علمية، بل أصبح ساحة لاختبار فعالية الدولة الأميركية نفسها: هل لا تزال قادرة على تحويل الإرادة السياسية إلى برنامج وطني طويل النفس، أم أن منافسين مثل الصين باتوا أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ على المدى البعيد.
من هذه النقطة يبدأ تأثير الداخل على الخارج بوضوح. فعندما تحدد واشنطن هدفا سياسيا للهبوط على القمر في حلول عام 2028، فهي لا تتحرك بمعزل عن السياق الدولي، بل تسبق جدولا صينيا معلنا يهدف إلى إرسال رواد فضاء إلى القمر في حلول عام 2030، وتواجه في الوقت نفسه مشروعا صينيا موازيا يتمثل في المحطة القمرية الدولية التي تطرحها بكين كإطار تعاون بديل قادر على جذب دول خارج النفوذ الأميركي.






