برلمان أردني جديد… يواكب رؤية الملك ويقود التحديث
برلمان أردني جديد… يواكب رؤية الملك ويقود التحديث
ليث أكثم قسوس
في اللحظات المفصلية من عمر الدول، لا يكفي أن تمتلك الرؤية، بل يجب أن تمتلك الأدوات القادرة على تحويل تلك الرؤية إلى واقع. والأردن اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع؛ لحظة تاريخية تتقدّم فيها الدولة، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، نحو مشروع تحديث وطني شامل، لا يقتصر على الاقتصاد أو السياسة بوصفهما مسارين منفصلين، بل يجمعهما ضمن رؤية واحدة تؤمن بأن قوة الدولة الحديثة تُبنى بالمؤسسات الكفؤة، والإدارة الرشيدة، والمشاركة الواعية، والقدرة الدائمة على التجدد.
لقد وضع جلالة الملك أسس مرحلة جديدة عنوانها: تحديث الاقتصاد، وتطوير الحياة السياسية، وتعزيز منعة الدولة، ورفع جاهزيتها في عالم يموج بالتغيرات والتحولات. وهي رؤية لا تقبل الجمود، ولا تكتفي بالشعارات، ولا تراهن إلا على الإنسان الأردني وقدرته على الإنجاز.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نريد الإصلاح؟ بل: كيف نجعل مؤسساتنا أكثر قدرة على حمل مشروع الإصلاح؟ وكيف يصبح البرلمان شريكًا حقيقيًا في التنمية والتحديث، لا مجرد محطة دستورية تتكرر فيها الأدوار ذاتها؟
الجواب يبدأ من فكرة باتت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: الحاجة إلى برلمان أردني برامجي، قائم على الكفاءة الوطنية، ومنسجم مع روح العصر واتجاه الدولة.
فالبرلمان في الدول الحديثة لم يعد ساحة خطابية فقط، ولا مساحة للتجاذب المجرد، بل مؤسسة تصنع السياسات، وتراجع الأداء، وتراقب الإنفاق، وتناقش المستقبل بلغة الأرقام والمعرفة والخبرة. وفي زمن تتشابك فيه ملفات الاقتصاد والطاقة والمياه والتعليم والصحة والتحول الرقمي، يصبح من غير المنطقي أن تبقى السياسة بعيدة عن التخصص، أو أن يُدار الشأن العام بأدوات لم تعد تكفي لمواجهة تعقيدات المرحلة.
الأردن، وهو يمضي في مسار التحديث الاقتصادي، يحتاج إلى تشريعات ذكية، مرنة، وعملية. يحتاج إلى قوانين تحفّز الاستثمار، وتدعم ريادة الأعمال، وتواكب الاقتصاد الرقمي، وتطوّر التعليم المهني، وتعيد توجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية. وهذه المهام لا يمكن أن تنجزها مؤسسات تقليدية التفكير أو محدودة الخبرة، بل تحتاج إلى عقل نيابي جديد، يمتلك المعرفة والقدرة والمسؤولية.
وهنا لا بد من توضيح مسألة جوهرية: الحديث عن الكفاءة لا يعني تهميش الأحزاب، بل العكس تمامًا. فالأحزاب القوية في الدول المتقدمة ليست مجرد لافتات انتخابية، بل مصانع برامج، ومدارس قيادات، ومنصات لإنتاج الحلول.
وعليه، فإن المسار الأكثر انسجامًا مع مشروع التحديث السياسي الأردني هو الانتقال نحو أحزاب برمجية حقيقية، تتنافس على أساس ما تقدمه من رؤى قابلة للتنفيذ، وتدفع إلى الواجهة أصحاب الخبرة والقدرة، لا أصحاب الحضور الموسمي أو الخطاب العابر.
ما الذي يمنع أن نرى حزبًا يقدّم أفضل فريق اقتصادي؟
أو حزبًا ينافس بخطة وطنية للتعليم؟
أو حزبًا يطرح مشروعًا متكاملًا للصحة العامة؟
أو حزبًا يحمل رؤية متقدمة في التكنولوجيا والطاقة والمياه؟
عندها تصبح الانتخابات منافسة بين برامج، لا بين انطباعات. وبين كفاءات، لا بين شعارات. وبين مشاريع دولة، لا حسابات ضيقة.
إن الأردن لا يحتاج إلى استنساخ نماذج الآخرين، لأن لكل دولة ظروفها وتكوينها ومسارها التاريخي. ما يحتاجه الأردن هو نموذج أردني خالص، يستند إلى شرعيته الدستورية، وقيادته الهاشمية الحكيمة، ومجتمعه الواعي، وتدرجه الإصلاحي المسؤول.
نموذج يجمع بين التعددية السياسية والاستقرار المؤسسي. بين العمل الحزبي والكفاءة الوطنية. بين الديمقراطية والإنجاز. بين المشاركة الشعبية وفعالية القرار.
ومن هنا، يمكن تطوير الحياة النيابية تدريجيًا عبر قوائم حزبية أكثر تخصصًا، ولجان برلمانية أكثر مهنية، ووحدات دعم تشريعي وفني، ومعايير واضحة لقياس الأداء النيابي، وربط أولويات المجلس بأهداف الدولة الكبرى، لا بإيقاع اللحظة فقط.
فالبرلمان الذي يراقب بلغة الأرقام، ويشرّع بعقل الدولة، ويحاسب وفق النتائج، سيكون أكثر قدرة على حماية المال العام، وتحسين الخدمات، ودعم الاستثمار، وتعزيز ثقة المواطن.
وهذا هو جوهر الرؤية الملكية: مؤسسات قوية، لا أشخاص عابرون. دولة تعمل بكفاءة، لا بردود الفعل. ومسار إصلاحي يراكم الإنجاز بهدوء وثبات.
لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه الحديث، أنه دولة تعرف كيف تتكيّف دون أن تفقد توازنها، وكيف تصلح دون أن تهتز، وكيف تتقدم دون أن تنفصل عن جذورها. واليوم، يستطيع أن يقدّم نموذجًا عربيًا متقدمًا في الحياة البرلمانية، يقوم على حزبية ناضجة، وكفاءة وطنية، وتشريع منتج، ورقابة مسؤولة.
إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى برلمان يواكب الأحداث فقط، بل إلى برلمان يصنع الفرص، ويستشرف المستقبل، ويسند مشروع الدولة الحديثة.
فحين تلتقي الرؤية الملكية بالإرادة الوطنية، وتلتقي السياسة بالكفاءة، يصبح المستقبل أقرب مما نظن.
هذا المحتوى برلمان أردني جديد… يواكب رؤية الملك ويقود التحديث ظهر أولاً في سواليف.





