... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
100768 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7947 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

براغماتية طهران ودور دول الخليج

العالم
أمد للإعلام
2026/04/04 - 17:15 501 مشاهدة

تنبثق ملامح البراغماتية الإيرانية الجديدة من تحت رماد الأزمات العسكرية والاقتصادية الخانقة التي عصفت بطهران في عامي 2025 و2026 لتكشف عن تحول جوهري في بنية التفكير السياسي لدى النخبة الحاكمة التي بدأت تدرك أن شعارات الثورة الفوقية لم تعد كافية لحماية الدولة من الانهيار التام أمام الضغط الدولي والتقني المتصاعد.
إن هذا التحول الذي يقوده تيار واقعي داخل طهران لا يعكس بالضرورة تغييراً في المبادئ العقائدية بل هو استجابة اضطرارية لواقع مرير يفرض على النظام تقديم تنازلات سيادية مؤلمة مقابل البقاء المادي والاندماج القسري في المنظومة العالمية كلاعب اقتصادي لا كمصدر للثورات.
يتجلى هذا الاستعداد الإيراني في القبول بفرض قيود نووية صارمة ورقابة دولية دائمة وتفكيك خطاب العداء الصريح مقابل فتح مضيق هرمز أمام تدفقات النفط وجذب الاستثمارات الأمريكية والأجنبية لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الأخيرة وهي خطوات تشير إلى رغبة طهران في استبدال الميليشيات العابرة للحدود بشراكات تجارية تجعل من الجغرافيا الإيرانية جزءاً من سلاسل التوريد العالمية. وفي هذا السياق المعقد تبرز أدوار القوى الدولية الكبرى حيث تلعب الصين وروسيا دور الضامن والمستفيد في آن واحد من خلال اقتراح إنشاء مركز إقليمي لتخصيب الوقود النووي يضمن عدم انفراد واشنطن بالقرار الإيراني ويؤمن في الوقت ذاته مصالح بكين الحيوية في طرق التجارة الدولية واستقرار إمدادات الطاقة التي تمر عبر الخليج.
أما دول الخليج العربي فإنها تقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب منها صياغة استراتيجية أمنية جماعية قائمة على الندية واليقظة السياسية بعيداً عن الركون إلى نوايا طهران المتغيرة أو الاعتماد الكلي على الحماية الخارجية. يجب على العواصم الخليجية أن تدرك أن حفظ أمنها القومي يمر عبر فرض شروطها الخاصة في أي منظومة أمن إقليمي جديدة بحيث تضمن حرية الملاحة وتمنع أي تدخل في شؤونها الداخلية مقابل الانخراط في مشروعات التنمية الكبرى التي تجعل من استقرار الإقليم مصلحة اقتصادية عليا لإيران تجبرها على الانكفاء داخل حدودها الوطنية. إن بناء شبكة أمن إقليمي فعالة يتطلب من دول الخليج تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية وتنسيق مواقفها الدبلوماسية مع بعضها البعض.
الاندماج الإيراني المرتقب في العالم يجب أن يقابل بحذر خليجي استراتيجي يحول دون تحول القوة الاقتصادية الإيرانية القادمة إلى أداة للهيمنة السياسية مرة أخرى مما يفرض على دول المنطقة أن تكون هي المبادرة في رسم خرائط التعاون الإقليمي التي تضع أمن الشعوب واستقرار الدول فوق أوهام الامبراطوريات القديمة أو التحالفات الطائفية العابرة للحدود. إن البراغماتية الإيرانية الحالية ليست سوى مناورة بقاء فرضتها موازين القوى الجديدة وهي تستوجب من المحيط العربي استثمار هذا التراجع التكتيكي لفرض قواعد اشتباك سياسي تضمن سيادة الدول العربية وتنهي عصر التدخلات الميليشياوية التي استنزفت مقدرات المنطقة لعقود طويلة مع ضرورة الإشادة بهذه البراغماتية التي أطلقها جواد ظريف عبر صحيفة فورين أفيرز الامريكية صحيح انه ليس في موقع رسمي الان ولكن هذا لا يعني ان ما قدم هو خارج السياق فالمفاوضات لا تجري في العرف السياسي والدبلوماسي مع من يحملون صفات رسمية فقط.
أعتقد ان التحولات التي تشهدها العقلية السياسية في طهران اليوم تعكس هزيمة المشروع الأيديولوجي أمام متطلبات الدولة الحديثة مما يفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية قد تعيد صياغة مفهوم الأمن الجماعي في غرب آسيا بناءً على المصالح المتبادلة لا الصراعات الوجودية.
وفي ظل هذا المشهد تبرز الحاجة الملحة لدول الخليج لتفعيل دورها كلاعب مركزي يرفض أن يكون مجرد ساحة لتصفية الحسابات أو متفرجاً على صفقات القوى الكبرى بل طرفاً أصيلاً يمتلك أوراق الضغط اللازمة لحماية مصالحه العليا في مواجهة أي تقلبات قادمة في السلوك الإيراني. كما انني اعتقد ان دول الخليج ستسعى الى ان يكون أي انفتاح دولي على إيران مرتبط بضمانات أمنية ملموسة تتعلق بالاستقرار الإقليمي كما انها لن تتوقف عن الطلب المتعلق دعم الجماعات المسلحة.
إن الاستعداد الإيراني الملحوظ للتعاون مع شركات النفط الأمريكية ورفع القيود عن مضيق هرمز هو اعتراف صريح بفشل سياسة الاكتفاء الذاتي والمقاومة الاقتصادية مما يمنح المجتمع الدولي ودول الجوار فرصة لترويض الطموحات الإيرانية عبر قنوات التجارة والاستثمار المرتبطة بالأمن. إن هذا التحول يضع روسيا والصين في موقف دقيق حيث تحاولان موازنة دعمهما لطهران مع رغبتهما في عدم الصدام المباشر مع الغرب أو تهديد مصالحهما الواسعة مع دول الخليج العربي التي تمثل الشريك الاقتصادي الأهم لهما في المنطقة. ولذلك فإن بناء شبكة الأمن الإقليمي المقترحة يجب أن تعكس توازن المصالح بين القطبين الشرقي والغربي وبين القوى الإقليمية لضمان استدامة أي اتفاق سلام مستقبلي.
واعتقد ان الحذر سيبقى بل مطلوب ان يكون هو السيد في التعامل مع هذه البراغماتية الإيرانية الجديدة التي ولدت من رحم المعاناة لا من القناعة بالانفتاح مما يجعل من اليقظة الخليجية والتعاون الدفاعي ضرورة قصوى لا بديل عنها في المرحلة القادمة.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤