بولس يختطف القرار
بقلم / عفاف الفرجاني
في خضم التحركات الدولية المتسارعة حول الملف الليبي، يبرز اسم لبناني الأصلأمريكي الجنسية مسعد بولس كأحد الوجوه التي تدير مقاربة جديدة تقوم على الاقتصاد كمدخل للسياسة. لكنَّ لدي سؤالًا يفرض نفسه بقوة على الشعب الليبي:
إذا كانت الغاية المعلنة هي تحقيق الاستقرار لليبيا، فلماذا لا يتم تبني مشروع ليبي خالص يسير على نفس المسارات دون المساس بالأموال المجمدة التي تقدر بعشرات المليارات؟
لماذا تستبدل الأصول الليبية في البنوك الدولية ببنوك حاضنة؟!!
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن حجم الأموال الليبية المجمدة في الخارج يتجاوز 30 مليار دولار، وهي كتلة مالية حساسة تمثِّل في جوهرها احتياطيًّا سياديًّا يفترض أن يستخدم ضمن إطار قانوني شفاف وتحت رقابة مؤسساتية صارمة. ورغم ذلك، تتحدث تقارير دولية عن مقاربات جديدة تقوم على إعادة توظيف هذه الأموال ضمن ترتيبات اقتصادية مرتبطة بعقود طاقة وإعادةإعمار، ما يثير تساؤلات حول الأولويات الحقيقية لهذه التحركات.
في المقابل، يمكن نظريًّا تحقيق جزء كبير من أهداف الاستقرار الاقتصادي دون الاقتراب من هذه الأموال.
فليبيا تمتلك موارد نفطية كبيرة، حيث يتراوح الإنتاج بين 1.1 و1.3 مليون برميل يوميًّا وفق تقارير الطاقة، ما يوفر دخلًا سنويًّا يقدر بعشرات المليارات من الدولارات حسب أسعار السوق. هذه الموارد، إذا ما أديرت بكفاءة وضمن ميزانية شفافة، قادرة على تمويل مشاريع إعادةالإعمار وتحسين الخدمات دون الحاجة إلى فك التجميد أوإعادة توزيع الأصول.
الإشكالية الحقيقية لا تكمن في غياب المال، بل في غياب الإدارة الموحدة والحوكمة الفعالة. فالاتفاقات التي يتم الترويج لها، مثل الميزانية الموحدة لعام 2026، يمكن أن تتحول إلى أداةإيجابيةإذا تم توجيهها نحو ضبط الإنفاق وتعزيز الرقابة، لكنها قد تصبح في المقابل غطاءً قانونيًّا لأي عمليات سحب غير مدروسة إذا غابت الشفافية.
تأجيل الانتخابات حين يرتبط بما يطرح عما يسمى مبادرة بولس لا يبدو إجراءً تقنيًّا بقدر ما يعكس منطق إدارة النفوذ عبر إطالة المرحلة الانتقالية. فالمبادرة -كما تقدم- تضع الاستقرار الاقتصادي كبديل مؤقت للشرعية، بينما تتحول الأصول المجمدة منذ تجميد الأصول الليبية 2011 إلى أداة ضغط ضمن توازنات دولية معقدة. بهذا المعنى لا يصبح التأجيل حماية للعملية السياسية، بل جزءًا من هندسة جديدة يعاد فيها توزيع المال والنفوذ قبل العودة إلى صندوق الاقتراع.
كما أن ربط المسار الاقتصادي بتأجيل الاستحقاقات السياسية، مثل الانتخابات، يطرح تساؤلات إضافية حول طبيعة المرحلة المقبلة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الاستقرار المستدام لا يتحقق فقط عبر ضخ الأموال، بل عبر بناء مؤسسات شرعية قادرة على إدارة هذه الموارد.
من هنا، يبرز الطرح البديل: لماذا لا يتم تبني مشروع ليبي يعتمد على نفس الأدوات الاقتصادية المقترحة، لكن بمرجعية وطنية كاملة، ودون المساس بالأموال المجمدة، إلى حين استقرار مؤسسات الدولة بشكل نهائي؟ مثل هذا الخيار لا يحافظ فقط على السيادة المالية، بل يمنح أيضًا ثقة أكبر للأسواق وللمواطن في آن واحد.
هناك أيضًا نقطة مهمة ضمن مبادرة بولس، وهي فكرة تأجيل الانتخابات!
هذا تحوُّل في الآلية السياسية لإدارة المصالح أكثر من كونه بحثًا عن شرعية. فكلما طالت المرحلة الانتقالية في هذه المبادرة، ترسَّخ واقع بلا تفويض شعبي، تدار فيه السلطة والمال خارج المساءلة. أما الأصول المجمدة منذ تجميد الأصول الليبية 2011، فلم تُستهدف بالفناء، بل أُعيد توظيفها كورقة ضغط داخل شبكة توازنات دولية، ما يجعل التأجيل في جوهره ليس حماية للاستقرار، بل إعادة ترتيب للنفوذ على حساب الإرادة الشعبية.
لهذا أدعو النخب الليبية الوطنية إلى الاستفادة من المبادرة لتحويلها إلى مشروع وطني وتحت رقابة وطنية صارمة، وتقليص الاعتماد على المسار الخارجي بتوحيد القرار الداخلي وبناء مسار سياسي مستقل يحدُّ من أي نفوذ أمريكي.
The post بولس يختطف القرار appeared first on الموقف الليبي.





