"بوابة أفريقيا"... تونس تعيد رسم موقعها الجيوسياسي عبر العمق الأفريقي
إيماناً بأن سيادتها الاقتصادية ترتبط بعمقها الأفريقي، أعلنت تونس عن إطلاق مشروع الممرّ البري القاري نحو أفريقيا جنوب الصحراء، المعروف باسم "بوابة أفريقيا"، بالتنسيق مع ليبيا، في خطوةٍ تسعى من خلالها إلى إعادة تموضعها الجيوسياسي والاقتصادي عبر الانفتاح على القارة.
تفاصيل المشروع ومساره
ويأتي إحياء هذا المشروع في توقيتٍ حساس، مع تزايد أهمية المعابر البرية في ظل ما يشهده الشرق الأوسط من توتراتٍ واضطرابات في الممرات البحرية. ويمتد الممر من معبر رأس الجدير الحدودي جنوب تونس، مروراً بالأراضي الليبية، وصولاً إلى دول الساحل، بينها النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى.
ويهدف المشروع، وفق ما كشفه وزير التجارة التونسي سمير سعيد، إلى ربط شمال القارة بعمقها الجغرافي والاقتصادي عبر شبكةٍ لوجستية برية متكاملة، بما يختزل زمن نقل البضائع بين شمال أفريقيا ودول الساحل من نحو شهرين إلى أسبوعٍ.
تحوّل في العقيدة الاقتصادية
يعكس هذا المشروع تحوّلاً في العقيدة الاقتصادية لتونس، التي أبدت في السنوات الأخيرة رغبةً في تنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً من التبعية للمعسكر الغربي. وفي هذا السياق، تعيد تونس توجيه بوصلتها نحو الأسواق الأفريقية التي تُعد الأسرع نمواً عالمياً، مع الاستفادة من موقعها القريب من أوروبا.
ولا تتجاوز قيمة المبادلات التجارية بين تونس ودول أفريقيا جنوب الصحراء 650 مليون دولار، فيما بلغت الصادرات التونسية نحو 490 مليون دولار، أي ما يمثل 3.5 في المئة من إجمالي الصادرات الوطنية.
ويرى رئيس مجلس الأعمال التونسي الأفريقي أنيس الجزيري، في تصريح لـ"النهار"، أن المشروع "سيربط تونس بسوق تضم أكثر من 500 مليون مستهلك"، معتبراً أنه سيحدث نقلةً نوعية في قدرة الشركات التونسية على النفاذ إلى أسواق واعدة لم تكن متاحةً بسبب الصعوبات اللوجستية.

مكاسب مباشرة مقابل تحديات معقدة
من أبرز مكاسب المشروع، وفق خبراء، تقليص تكلفة نقل البضائع ومدته بشكل كبير، إذ يُتوقع أن يُختزل زمن التصدير من نحو شهرين عبر المسارات البحرية إلى أسبوعٍ عبر الممر البري. ويؤكد الخبير الاقتصادي الليبي محمد عمران لـ"النهار" أن المشروع يمثل "نقلةً نوعية في تصور السياسة التصديرية بين شمال القارة وجنوبها".
في المقابل، يبقى نجاح المشروع رهن التغلب على تحدياتٍ أمنية وسياسية وتمويلية. وتشير التقديرات إلى دخوله حيز الاستغلال الفعلي في عام 2029، بعد استكمال الأشغال بين عامي 2025 و2028.
ويلفت إلى أن ليبيا تمثل الحلقة المحورية في هذا المشروع، إلا أن الأوضاع الأمنية والسياسية فيها تلقي بظلالها على مساره. كما أن هشاشة الأوضاع في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء تشكل تحدياً إضافياً، إلى جانب التكلفة المرتفعة للجزء الصحراوي الرابط بين جنوب ليبيا وشمال النيجر، والذي يتطلب استثماراتٍ كبيرة.
أبعاد جيوسياسية تتجاوز التجارة
لا تقتصر أهمية "بوابة أفريقيا" على كونه ممراً تجارياً، بل تمتد إلى أبعادٍ جيوسياسية أوسع قد تجذب اهتمام مؤسسات تمويلٍ أفريقية ودولية. فالمشروع مرشح لأن يتحول إلى حلقة وصلٍ بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء، ما يعزز موقع تونس كبوابةٍ شمالية للقارة.
كذلك، فإنّ الاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية دفعت إلى إعادة التفكير في خرائط التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مع تزايد أهمية الممرات البرية كخيارٍ استراتيجي بديل.
في المحصلة، يبدو "بوابة أفريقيا" مشروعاً طموحاً لتعزيز التجارة البينية الأفريقية وإعادة تموضع تونس اقتصادياً وجيوسياسياً، إلا أن تحوله إلى واقعٍ فعلي يظل مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات السياسية والأمنية والمالية.





