بنية الإنسان من الجانب الروحي
قلنا في مقال سابق قبل هذا بعنوان: “في هندسة الخالق لمخلوقه الإنسان”: إن الخالق سبحانه لم يقف في هندسته لهذا المخلوق عند هذا الخلق المعبر عنه بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ﴾، بل أتبعه بخلق آخر هو ما تم إجماله في قوله سبحانه: ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ ﴾، وقلنا كذلك: “إن الإمام الزمخشري – وغيره – قد حاول الكشف عن ماهية هذا الخلق الآخر، فذكر: أن الخلق الثاني كان مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها! حيث جعله حيواناً وكان جماداً، وناطقاً وكان أبكم، وسميعاً وكان أصم، وبصيراً وكان أكمه، وأودع في باطنه وظاهره، بل في كل عضو من أعضائه، عجائب فطرة، وغرائب حكمة لا تدرك بوصف الواصف، ولا تبلغ بشرح الشارح”.
والسؤال الآن هو: كيف حصل هذا الخلق الآخر الذي أصبح به الإنسان حيواناً ناطقاً، سميعاً بصيراً مريداً قديراً…؟ لعل الجواب عن مثل هذا السؤال هو هذا الذي ذكره الخالق سبحانه في قوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة: 9]. قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية: “التسوية: التصوير وتتميم العمل”، وقال في قوله: ﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ ﴾: “نفخ الله الروح في قالب من سواه، وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريفية”. ثم قال: “والمعنى: نفخ في الإنسان من روح شريف منسوب إليه تعالى، بعد أن صور الإنسان المبدوّ خلقه من الطين، والمجعول نسله في سلالة من ماء مهين”. ثم قال في قوله سبحانه: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ ﴾: “أنعم الله عليكم بنعمة الإدراك الحسي والفكري، فالسمع والبصر للمحسوسات، والقلوب للفكريات التي هي أعم من الإدراكات الجزئية”.
وبتعبير آخر: إن التسوية كانت بخلقه تعالى تلك “الشرايين المتينة المرنة” المنتشرة في جميع أنحاء الجسم كله، ثم نفخه الروح من طريقها لتسري في الجسم كله الذي سيصبح بها سميعاً بصيراً، مفكراً، مريداً قديراً…
لكن السؤال الأهم هو: ما حقيقة هذه الروح التي جعلت آدم وذريته ناساً متحركين مدركين؟ هنا يقفز إلى الذهن ذلك السؤال المصحوب بالجواب عنه في قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [سورة الإسراء: 85]. فسر الإمام الرازي كلمات هذه الآية فقال: إن هذا الجواب لا يليق إلا بمسألتين: إحداهما: ماهية الروح، وثانيتهما: عن قدمها وحدوثها. ثم قال في الروح: “الروح موجود بسيط مجرد، لا يحدث إلا بمحدث، قوله: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾، فهو موجود يحدث من أمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة الحياة للجسم، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه مطلقاً…”. ثم قال في قوله: ﴿ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾: “إن لفظ الأمر قد جاء بمعنى الفعل كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [هود: 97]، فقوله: ﴿ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ معناه: من فعل ربي. فهذا الجواب يدل على أنهم سألوه عن قدمه وحدوثه، فقال: بلى هو حادث، وإنما حصل بفعل الله وتكوينه”.
أما كلمتا: القلة والكثرة من العلم، فقد فسرهما الإمام الزمخشري بقوله: “إنهما تدوران مع الإضافة، فوصف الشيء بالقلة مضافاً إلى ما فوقه، وبالكثرة مضافاً إلى ما تحته، فالحكمة التي أوتيها العبد كثيرة في نفسها، إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة”.
ومعنى هذا أن هذا الجواب الإلهي في دلالته ليس أمراً بترك البيان، ولا هو نهياً عن السؤال كما قال بعضهم، بل هو ضرب من البيان على سبيل الإجمال. يقول الإمام الرازي في تأكيد هذا النوع من التفسير: “إن الروح ليس أعظم شأناً، ولا أعلى مكانة من الله تعالى، فإذا كانت معرفة الله تعالى ممكنة بل حاصلة، فأي مانع يمنع من معرفة الروح”.
انطلاقاً إذن من هذا الجواب الإجمالي، ومما هو مبثوث في كتابه العزيز، وجدنا العلماء يتبارون في تفسير معنى الروح، فكان منهم:
من ذهب إلى أنه غير معروف، وأنه مما استأثر الله بعلمه. “عن أبي بريدة: لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح”. وهو (أي النبي) معدن العلم وينبوع الحكمة، فكيف يسوغ لغيره الخوض فيه والإشارة إليه؟ وقد رد الإمام الرازي على هذا القول بما قلناه أعلاه، أعني أن الروح ليس أعظم شأناً…
ومنهم من ذهب كالمحقق الكبير النظام – وغيره – إلى أن الروح عبارة عن “أجسام لطيفة سارية في البدن، سريان ماء الورد في الورد، باقية من أول العمر إلى آخره، لا يتطرق إليها تحلل ولا تبدل، حتى إذا قطع عضو من البدن، انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء، إنما المتحلل والمتبدل من البدن فضل ينفصل عنه، إذ كل أحد يعلم أنه باق من أول العمر إلى آخره، ولا شك أن المتبدل ليس كذلك”. قال العلامة التهانوي معقباً على هذا القول: “واختار هذا الإمام الرازي، وإمام الحرمين، وطائفة عظيمة من القدماء، كما جاء في شرح الطوالع”.
وذهب فريق من الناس إلى أن “الروح عبارة عن أجسام نورانية سماوية لطيفة الجوهر على طبيعة الشمس، وهي لا تقبل التحلل والتبدل، ولا التفرق والتمزق، فإذا تكوَّن البدن وتم استعداده – وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ﴾ – نفذت تلك الأجسام الشريفة السماوية الإلهية في داخل أعضاء البدن، نفاذ النار في الفحم، ونفاذ دهن السمسم في السمسم، ونفاذ ماء الورد في الورد. ونفاذ تلك الأجسام في البدن هو المراد بقوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾، ثم إن البدن ما دام يبقى سليماً قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة فيه، يبقى حياً، فإذا تولدت في البدن أخلاط غليظة، منعت تلك الأخلاط لغلظها سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت من البدن ولزم الموت”. علق العلامة التهانوي على هذا المذهب بقوله: “فهذا مذهب شريف يجب التأمل فيه، فإنه سديد بالمطابقة بما ورد في الكتب الإلهية من أحوال الحياة والموت”.
وذهب آخرون إلى أن الروح والنفس شيء واحد، كالإمامين: السهيلي والسهروردي. قال السهيلي: إن “الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن”، وقرر أنها “ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسم كسريان الماء في عروق الشجر”. ثم قال: “كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يكسب باختلاطه معها اسماً خاصاً، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها، صار مسطاراً أو خمراً، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز. وهكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه”. ثم قال: “فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه، لا من كل وجه”. قال الحافظ ابن كثير: “وهذا المعنى حسن، والله أعلم”. وكذلك قال الإمام السهروردي.
هذا، وهناك طائفة أخرى ذهبت إلى أن المراد بالروح: الروح الإنساني، والروح الإنساني هو الوحي والقرآن. ومن هؤلاء الإمام الرازي، قال: “سمي القرآن في كثير من الآيات روحاً، كقوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ ﴾، وقوله: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾، ثم يذكر أن السبب في تسمية القرآن بالروح هو أن به “تحصل حياة الأرواح والعقول، لأن به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، ومعرفة كتبه ورسله، والأرواح إنما تحيا بهذه المعارف”.() أي أن “هذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل، والعقل به يكمل جوهر الروح، والروح به يكمل الجسد، وعند هذا يظهر أن الروح الحقيقي هو الوحي والقرآن، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة ونوم الغفلة، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أرواح الملكية، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة”.
وجهة نظرنا
هذه وجهة نظر العلماء في الروح. أما وجهة نظرنا فتتجلى في أنه إذا كان في المشهور من الآراء في عالم الروح: أن العلماء يقسمون الروح إلى قسمين: روح حيواني، وروح إنساني قرآني:
أ- وأنهم بالنسبة للروح الحيواني يفسرون الروح بالأجسام اللطيفة السارية في البدن سريان ماء الورد في الورد والنار في الفحم، وكان البعض منهم يفسر هذه الأجسام اللطيفة بالهواء المستنشق المتردد في البدن، حيث قالوا: “إنه متى كان النفس متردداً، كانت الحياة باقية، وإذا انقطع النفس زالت الحياة”.والبعض منهم يفسرها بالدم، حيث قال: إن تلك الأجسام إذا شاركت هذا الهيكل وسرت فيه سريان ماء الورد في الورد، وسريان النار في الفحم… صار هذا الهيكل حياً بسبب تلك المشاركة والذوبان والانحلال.
ونحن إذا رجعنا إلى ما قيل في ضرورة كل من الهواء والدم بالنسبة للحياة، وجدنا العلماء في العصر الحديث يقولون: “إن القلب يضخ الدم عبر أنابيب متينة مرنة تسمى الشرايين”، وأن لهذا الدم دورتين في الجسم: دورة رئوية ودورة جهازية (عمومية).
“في الدورة الرئوية تحمل الأوعية الدم غير المؤكسج في الأوردة من البطين الأيمن إلى الرئتين للتزود بالأكسجين، ويعود الدم المؤكسج إلى الأذين الأيسر من القلب”.
وفي الدورة الجهازية (العمومية) يضخ الدم المؤكسج من البطين الأيسر عبر الشريان الأبهر (الوتين) وتفرعاته إلى سائر أنحاء الجسم.
في أهمية كل من الدم والهواء، أو الدم المؤكسج بالنسبة للجسم، وبالنسبة للدماغ الذي هو مركز الوعي، أو جميع الوظائف الذهنية المختلفة التي تتيح للكائن البشري قدرات التفكير والتعلم والإبداع، نجدهم يقولون: إن الدم بالرغم من أن الدماغ يؤلف قرابة 2% فقط من وزن الجسم، فإنه يتطلب 20% من مجموع الدم. يحمل الدم إلى الدماغ الأكسجين والغلوكوز، وبدون هاتين المادتين الضروريتين تتردى وظائف الدماغ بسرعة، وقد يعقب ذلك دوران وتشوش وفقد للوعي، وفي حال استمرار الحرمان من الأكسجين ما بين 4 إلى 8 دقائق، فالنتيجة هي العطب الدماغي أو الموت.
ومعنى كل هذا، أن بإمكاننا أن نتساءل: هل الروح مكون من عنصرين هما الدم والأكسجين، أو من عنصر واحد هو الدم؟ والهواء إنما هو مغذٍ له كتغذيته بالأطعمة، وتغذيته برد الاعتدال إليه من قبل الأطباء عندما يحدث فيه نقصان مثلاً، حيث نجد الأطباء يطعمونه بدم آخر، شرط أن يكون من فصيلته. وهنا يمكننا أن نتساءل مرة أخرى: هل الروح أرواح يسكن كل جنس منها عدداً من الأجسام البشرية؟ ذلك هو الملاحظ من خلال الأنواع الموجودة في بني آدم.
ب – هذا عن الروح الحيواني. وأما عنه عند من فسره بالوحي والقرآن، أو بالإنساني، فقد رأينا كيف بسط القول فيه الإمام الرازي، حتى قال مرة: “إن إطلاق لفظ الروح على الوحي والقرآن في غاية المناسبة”، ومرة قال: “إن الروح الحقيقي هو الوحي والقرآن”. فوجهة نظرنا في هذا التفسير، أننا لما تأملنا الأمر الوارد في الآية: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، وجدناه يمكن أن يكون المراد منه الأمر التكويني، كما يمكن أن يكون المراد منه الأمر الديني، وذلك لخلوه من القرائن التي من شأنها التمييز بينهما. ثم لما تأملناه مرة أخرى وجدنا أن هذا الأمر قد ورد في الآية بصيغة المفرد المعرف بالإضافة: ﴿ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾، وأن المفرد المعرف بالإضافة عند الأصوليين يفيد العموم، فعلمنا أن الأمر في قوله تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ يفيد العموم الشامل للأمرين معاً، أعني الأمر التكويني والأمر الديني. ولا يخفى أن أقل الجمع اثنان عند كثير من الباحثين، ومن ثم تبين لنا أنه لا مؤاخذة على من فسر الأمر بالروح الحيواني أو الأجسام اللطيفة السارية في البدن، وعلى من فسره بالوحي والقرآن. وذلك لأن من فسر الأمر بالروح الحيواني أو الأجسام اللطيفة السارية في البدن، كان يتحسس أو يتطلب المعرفة بالروح التي تبعث في البدن الحياة. ومن فسره بالوحي والقرآن، كان ينظر إلى الأمر الديني الذي به يتميز الإنسان عن الحيوان. قال الإمام الزمخشري: “الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان، ومن أمر ربي، أي من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر”.
ولو أنهم نظروا إلى “الأمر” في بعد ما يفيده من عموم الأمرين، لتبين لهم أن الإجابة الإلهية في قوله: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ هي إجابة شاملة محيطة بمعنى الروح من الجانبين: الروح الحيواني الذي يشترك فيه الإنسان مع الحيوان، والذي به تكون الحياة، والروح الديني الذي به يتميز الإنسان عن الحيوان.
بل لو نظر هؤلاء الذين يفسرون الروح بالوحي والقرآن، لتبين لهم أن المراد من الأمر ليس هو القرآن المتلو المقروء فقط، بل المراد منه هذا القرآن من جهة، ثم القرآن في جدوره التي تم التعبير عنها في هذه الآية الكريمة: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]. يقول الإمام الشوكاني – وغيره – مفسراً معنى الفطرة: “والفطرة في الأصل الخلقة، والمراد هنا الملة وهي الإسلام والتوحيد. قال الواحدي: هذا قول المفسرين في فطرة الله… والأولى حمل ‘الناس’ على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعاً مفطورون على ذلك، لولا عوارض تعرض لهم، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘ما من مولود إلا يولد على الفطرة’ – وفي رواية ‘على الملة’ – ‘ولكن أبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه'”.
ويؤيد هذا ما ذهب إليه قاضي القضاة عبد الجبار من أن “كل ما على المكلف فعله أو تركه، قد ركب الله جملة في العقول (الدماغ)، وإنما لا يكون في قوة العقول التنبيه على تفاصيلها، سواء كان الديني من باب العقليات أو الشرعيات. وهذا باب إذا عرفته تبينت أن كل التكاليف مطابقة للعقول، وكذلك أحوال المعاملات وما يتصل بالضر والنفع”. ثم بعد هذا ينبه إلى شيء أساسي وهو أن العقول رغم ما تتضمنه من كليات، فهي ليست قادرة على تفاصيل ما هو مركب فيها، ومن ثم كان الناس في حاجة إلى الأنبياء والرسل، ومن بعدهم العلماء، إذ هم ورثة الأنبياء وهم الذين جاءت على أيديهم تلك التفاصيل.
وهكذا يتبين أن القرآن المتلو المقروء ليس هو المقصود بالروح الذي تم تفسير الإمام الرازي به، بل المقصود به هذا الذي ذكره من جهته، وذلك الذي وقع التنصيص عليه في قوله تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ ﴾ [الروم: 30]. وهذا يتناسب مع كل مكون في الإنسان حيث نجده دائماً يتركب من مكونين: مكون داخلي، ومكون خارجي. (سنشرح هذا لاحقاً في مقال بعنوان: بنية الإنسان من الجانب النفسي).
The post بنية الإنسان من الجانب الروحي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





