جاء "اتفاق القاهرة" في عام 1969، الذي خصص لـلمقاومة الفلسطينية جزءا من أرض الجنوب عُرف باسم "فتح لاند"، لشن عملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي، فتحولت المدينة إلى قاعدة عسكرية متقدّمة للعمل الفدائي، وفي العام التالي، تلقّت أول هجوم إسرائيلي. أكثر من ستين قذيفة سقطت عليها فدمرت عددا من منازلها وتسببت بتهجير واسع، وفي عام 1976 شهدت إخلاء قسريا باتجاه القرى المحيطة بها، بعدما استحالت الحياة فيها إلى جحيم بسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية... فتداخلت الهجرات خارجيا ومحليا وتعددت.
إثر "عملية الليطاني" في عام 1978 احتلت إسرائيل منطقة جنوب نهر الليطاني، وصارت تسمى "الشريط الحدودي"، بنت جبيل ضمنها، فتهجّر أهلها مرة أخرى، إلا 500 شخص، واستمر الاحتلال حتى عام 2000.
في هذا الوقت، كان تدفّق المهاجرين نحو أميركا يجري بتسهيل من السفارة الأميركية أيضا، فانضم اللاحقون إلى السابقين و"تأمركوا" مع من "تأمرك" قبلهم، ووصل عدد أهالي بنت جبيل في مدينة ديترويت في ولاية ميشيغن إلى 40 ألفاً، فأطلقوا عليها اسم "جمهورية بنت جبيل".
حاليا، يشغل مو بيضون ابن أحد أشهر عائلات بنت جبيل، منصب عمدة مدينة ديربورن في ميشيغن أيضا، أما صاحب المطعم اللبناني حسن عباس في المدينة نفسها، فقد حظي بشهرة عالمية، بعدما أجبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي زاره خلال حملته الانتخابية في 2024، على توقيع تعهّد بوقف الحرب على غزة، كشرط للجالية البنت جبيلية لانتخابه.
في كتابه اللطيف "بنت جبيل-ميشيغن"، يصوّر الكاتب أحمد بيضون تمسّك أهل بنت جبيل بشخصيتهم التي صاغتها مدينتهم، وكأنهم حملوها بكل تفاصيلها في حقائب سفرهم، وحين وصلوا أخرجوها ونشروها حولهم، علقوها على اللافتات المكتوبة بالعربية، وفي الطابع الحميم المهيمن على العادات والعلاقات والطعمات والنكهات والروائح...
ظلت هجرات بنت جبيل تتناسل، حتى حلول عام 2000، حيث شكل الانسحاب الإسرائيلي حافزا لعودة أهلها، كثيرون تركوا مهاجرهم واستقروا فيها، وآخرون رأوها للمرة الأولى في حياتهم وعادوا من حيث أتوا، غير أن هذه اللحظة لم تصمد من دون كلفة، ففي حرب يوليو/تموز 2006، عادت بنت جبيل مجدداً إلى قلب حلقة التهجير، شهدت معارك ضارية بين إسرائيل و"حزب الله"، قضت على ما عمّره العائدون في ست سنوات.
أُعيد بناء بنت جبيل بعد انتهاء الحرب، لكنها فقدت الكثير من ملامحها التاريخية المعروفة، وعاد إليها بعض أهلها لكن كثيرين اختاروا الهجرة مجددا...
يقول أحد أبنائها إن تجارها لم يتقاضوا حتى اليوم تعويضات حرب 2006، أما سوقها التجارية الذي أُعيد بناؤها بما لا يشبه طابعها المعماري التراثي، فتحوّل إلى حصّالة لجمعية "جهاد البناء" التابعة لـ"حزب الله"، تحت شعار "سنعيدها أحلا مما كانت".
في حرب الإسناد الأولى، تهجرت بنت جبيل كليا، رغم أن الدمار فيها كان محدودا قياسا على محيطها، في حرب الإسناد الثانية نزح من تجرأ وعاد من أهلها خلال الفترة الممتدة بين الحربين.
وها هي اليوم فارغة بالكامل... إنه التهجير الأخطر الذي يمر في تاريخها.









