بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.. هل المبادرات الفردية وأشباه العروض كافية لإنعاش المسرح السّوري؟
خلال الشّهور الماضية، لم تتوقّف العروض والمهرجانات المسرحية في محافظة حلب، يقول المخرج حكمت نادر عقاد لـ”الوطن”: “يمكننا القول إنّ حلب تكاد تكون المحافظة الوحيدة التي لم تتوقّف فيها الحركة المسرحية، فقد أكملنا مهرجان حلب المسرحي ووزّعنا النّتائج، وأقمنا دورة إعداد ممثّل في المسرح الجامعي، ومن ثمّ كان لدينا تجربة مسرحية لبعض الشّباب الجدد، واليوم ننطلق بمهرجان “المونودارما”، كذلك المسرح التّجاري أو الشّعبي ـ مسرح شباك التّذاكر ـ لم يتوقّف، وقدمت فيه عروض أسبوعية كل خميس وجمعة، كذلك كان لدينا عروض في مسرح الطّفل وإن كانت تجارب بسيطة، فمسرح الطّفل لا يزال خجولاً وقيد التّحضير”، أمّا سبب استمرار المسرح الحلبي من دون انقطاع فيعود إلى أمر مهمّ يذكره عقاد: “كنّا سعداء جدّاً بتواصل أصدقائنا من محافظات أخرى، وشكرهم لنا على الاستمرار الذي يعود إلى أسباب كثيرة منها ما يتعلّق بالأشخاص الموجودين في الإدارة، والمحبّين للمسرح والشّغوفين فيه، فمدير المسرح محمود زكور شابّ لديه شغف وحبّ للمسرح ولديه طاقة كبيرة، واستطاع التّواصل مع المسرحيين الشّباب والمخضرمين”.
وهذا ما يذكره أيضاً المسرحي جوان جان، يقول: “كانت المهرجانات المسرحيّة السّنوية ولا تزال تشكّل واحداً من أبرز وجوه الفعالية المسرحية في سوريا، وقد شهد العام الأخير انطلاقة جديدة لبعض هذه المهرجانات مثل مهرجان حلب المسرحي، ومهرجان “المونودراما” في حلب، ومهرجان محمد الماغوط في مدينة سلمية، وهي مهرجانات قامت على أكتاف عشّاق فنّ المسرح المؤمنين بدوره في محيطه الاجتماعي، وفي رسم صورة جديدة للحياة الثّقافية والفنّية في سوريا، ولُوحظ في هذه المهرجانات الإقبال الواسع من الجمهور على حضور العروض المسرحية المقدمة فيها، والنّدوات النّقدية والنّوعية التي تقام عادةً ضمن فعّالياتها.
لقد قدمت هذه المهرجانات للحركة المسرحية السّورية على مدى عشرات السنوات أبرز فنانيها على صعيد التمثيل والإخراج، وساعدت عدداً كبيراً من الكتّاب الشباب على تقديم إبداعاتهم وتعريف الجمهور بها”.

لكن هل يسدّ مهرجان في محافظة أو محافظتين غياب المسارح في بقية المحافظات؟ وهل ما يحصل يليق ببلد المسرح والمسرحيين؟ نتساءل ونحن نحتفل، اليوم، على مضض وبخجل بيوم المسرح العالمي، يقول جان: “في السّابع والعشرين من آذار من كلّ عام وبمناسبة يوم المسرح العالمي، يطلّ برأسه السّؤالُ الدّائمُ عن واقع ومستقبل المسرح السّوري، ليذكّر المسرحيين السّوريين بمدى ما وصل إليه مسرحهم وبالآفاق التي يحلمون بالوصول إليها، وهم الذين لم يقصّروا يوماً في تقديم كل ما هو جديد في عالم المسرح من أفكار ورؤى، وممّا لا شك فيه أنّ المسرح السّوري يحاول اليوم النّهوض من جديد بعد تأثّره سلباً بالعوامل المحيطة، وخاصّة على الصّعيد الاقتصاديّ الذي يشكّل عصب الحياة لأيّ حركةٍ فنيةٍ وثقافيةٍ ذات أبعاد إبداعية، ومن الملاحظ، اليوم، اتّكاء الحركة المسرحية على مبادرات وجهود فردية أو شبه فردية، تتلاقى مع أحلام مجموعة من الفنانين المسرحيين المخلصين، التي تتحد لتقدّم عرضاً هنا أو شبه عرضٍ هناك، في حديقة أو مقهى أو زاوية شارع أو بيت عربي قديم، وهي تجارب تشكّل بتراكمها جانباً لا يستهان به من حركة مسرحية شبابية، لطالما اعتمدت على المبادرات الفردية والتّجمعات الصّغرى ذات الإمكانات المتواضعة والأحلام الكبيرة”.
وتؤكّد الأديبة والمخرجة المسرحية فاتن ديركي ما سبق بالقول: “نشهد، اليوم، مع الأسف تحديات جمّة تقف في وجه تطوّر المسرح وازدهاره، لدرجة التّحسّر على ماضٍ شهدت فيه سوريا عبر التّاريخ ازدهاراً كبيراً في الحركة المسرحيّة أوصلتها إلى العالمية، فالمسرح اليوم يعيش حالة من الجمود والإهمال بسبب عوامل عدة أكثرها أهميةً غياب الدّعم ونقص التّمويل الذي يعدّ عائقاً كبيراً أمام إنتاج أعمال مسرحية ذات جودة عالية، كذلك نقص الكوادر بسبب هجرة الكفاءات المسرحية، والقيود على النّصوص والعروض، أو ربّما أيضاً بسبب التّوجّه إلى الدّراما التّلفزيونية، وكلّ هذا جعل عشّاق المسرح من الفنّانين والكتّاب والممثّلين المسرحيين يقومون بجهود فردية، ومبادرات محدودة الاستطاعة لإعادة الألق لأبي الفنون، واستعادة مكانته باعتباره أداة للحوار الثّقافي المجتمعي البنّاء”.
وبالصّوت العالي قالها الدّكتور عجاج سليم في النّدوة الأخيرة التي قدّمها حول واقع المسرح السّوري: “نحن، اليوم، في أخطر مرحلة من تاريخ المسرح السوري، يُخشى تماماً من موته البطيء، وأن يكون هناك نيّات غير طيّبة للتّعامل معه، لكن يجب أن نعي أنّ إهمال المسرح بهذا الشّكل هو خسارة للجميع، لذا على المسرحيين السّوريين الإيمان بأنّ هذا الجسد لو توقّف، ستذهب كلّ الثقافة إلى كارثة، إنّ هذا الجسد في غرفة الإنعاش يحتاج إلى جهدنا وإخلاصنا، وإن لم نفعل شيئاً فهذا يعني أنه لم يكن هناك سوى سلّم تسلّقنا عليه لنخرج إلى مكان آخر”.
أمام هذا الواقع، يقدّم المسرحيون المستطلعة آراؤهم اقتراحاتهم لعلّ وعسى تلقى آذاناً صاغية، تقول فاتن ديركي: “هذا الواقع يلقي علينا جميعاً كمثقفين ومسرحيين مسؤولية النّهوض بالمسرح، وتجاوز التّحديات، والعقبات الحالية التي تقف في وجه الحركة المسرحية، حتى تكاد تصيبها بالشّلل، ويمكن وفقاً لهذا إيجاد حلول إسعافية لإنقاذ المسرح، كتفعيل المسرح المستقل، وتجاوز البيروقراطية، وإحياء المهرجانات، وإيجاد خطط بديلة تعتمد على بدائل تمويلية أخرى، ورفع أجور الممثّلين، والعاملين في مجال المسرح، واستقطاب الجمهور بتقديم عروض مهمة تلامس هموم المواطن، وتعمل على توطيد علاقته بالمسرح، والتّأكيد على اعتباره حاجة لا ترفاً”.
بدوره، يقول حكمت عقّاد: “يوجد لديّ بعض التّحفّظات، وأتمنّى أن تقيم وزارة الثّقافة ـ مديرية المسارح ـ تجارب ومسرحيّات خاصّة فيها لا مهرجانات، وتعيد تفعيل مسرح الطّفل، وإنتاج عمل مسرحي يعرض لأسبوع أو عشرة أيّام، هذا يعيد المسرح إلى نشاطه”.
ونختم بتأكيد جوان جان: “مسرحنا السّوري، اليوم، بحاجة إلى المزيد من الاهتمام والرّعاية حتّى يعود أقوى ممّا كان، ويتجاوز العقبات التي لطالما وقفت في طريق تقدّمه وتطوّره، وخاصّة على صعيد العمل بشكلٍ جادّ على توفير بنى تحتية من صالات مسارح وأماكن عرض، وإعادة تأهيل ما هو قائم منها عسى أن نشهد عودة حقيقية لمسرحنا إلى السّاحة المسرحية العربية التي تبدو غير مكتملة بغياب المسرح السّوري عنها”.
الوطن ـ نجوى صليبه


