بقايا المبيدات في غذائنا: «مطابقة» للمواصفات لكن منهكة للجسد
في منطقة الريان بالأغوار الشمالية، يزرع المهندس الزراعي أبو جميل* أرضه ذات الخمسين دونمًا بالشمّام والبطيخ والبطاطا. وقد اعتاد لسنوات طويلة رش المحاصيل بالمبيدات اللازمة لمكافحة الآفات ثلاث مرّات خلال الموسم الواحد، وهو ما يعتبره استخدامًا محسوبًا وضروريًا. لكن المشهد تغّير في الصيف الماضي عندما كان الموسم جافًا أكثر من المعتاد بعد شحّ الأمطار في الشتاء السابق، إذ لاحظ ازديادًا غير مألوف في بعض الآفات، ما دفعه لاستشارة زميله المهندس الزراعي المتخصص في المبيدات، والذي نصحه بتكثيف رش المبيدات ورفع عددها إلى تسعة تفاديًا لخسارة الموسم بالكامل. اتبع أبو جميل النصيحة مضطرًا، ورغم أن كثافة الرشّ أنقذت المحصول بالفعل إلا أن أثرها كان واضحًا على جودة الثمار، قائلًا بأسىً إن «الطعم تغيّر طبعًا، صار البطيخ أكثر ملوحة وأقل حلاوة مقارنة بالسنوات السابقة».
تكشف تجربة أبو جميل هذه جزءًا من المسار الذي تقطعه الثمار قبل أن تصل إلى الأسواق والموائد محمّلة بجرعات عديدة من المبيدات، وإن كان ما حصل معه يبدو قرارًا فرديًا فرضته ظروف موسم استثنائي، إلا أن الواقع يبيّن وجود نمط أوسع يتكرر مع مزارعين آخرين على مدار عدة مواسم وفي مناطق مختلفة من الأردن، ما يجعل هذه الممارسات تترك أثرًا على ما نستهلكه يوميًا من خضار وفواكه مفترضين أنها آمنة على صحة أجسادنا، لكن العديد من الأبحاث الصحية تثبت عكس ذلك.
ما الذي تكشفه الدراسات عن بقايا المبيدات في غذائنا؟
صدرت خلال السنوات الأخيرة عدة دراساتٍ علمية عن مختبرات بحثية مختلفة، كشف معظمها عن وجودٍ متكررٍ لمتبقيات المبيدات في الخضار والفواكه المتداولة في الأسواق الأردنية، أي أنها احتوت على مواد كيميائية سامة من المبيدات على سطح الثمار أو داخلها. ففي دراسة نُشرت عام 2024 جرى تحليل 130 عينة من ثمار التفاح والخوخ والعنب والإجاص والخيار في أسواق محافظة العقبة، وأظهرت النتائج أن ربع العينات تقريبًا تحتوي على إحدى متبقيات المبيدات بمستوياتٍ قابلة للرصد المخبري، مع تسجيل حالات احتوت فيها العينة الواحدة على أكثر من مبيد، وقد تركزت أعلى معدلات الرصد في التفاح والخوخ مقارنة ببقية الأصناف.
يُذكر أن الدراسة اعتمدت الإطار التنظيمي المعمول به في الأردن لتحديد الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، الذي يستند إلى معايير الدستور الغذائي العالمي مع الاستعانة بمعايير أوروبية وأمريكية أحيانًا. ووفق هذا الإطار، بيّنت الدراسة أن نحو 15٪ من العينات تجاوزت الحدود القصوى المسموح بها، كما أظهرت بعض النتائج تجاوزات إضافية عند مقارنتها بالمعايير الأوروبية الأكثر تشددًا، حيث ظهر في بعض العينات متبقيات من مبيدات محظورة أو مقيدة الاستخدام داخل الاتحاد الأوروبي.[1]
وتتقاطع هذه النتائج مع ما خلص إليه مسح مخبري نُشر عام 2019 حلّل 125 عينة من خمسة أصناف شائعة الاستهلاك في السوق المحلي هي: التفاح والعنب والطماطم والبطاطا والخيار، حيث أظهرت النتائج أن نحو 40٪ من العينات تجاوزت الحدود القصوى المسموح بها وفق المعايير الأوروبية، مع تسجيل وجود أكثر من مبيد في العينة الواحدة في عدد من الحالات، وكان الخيار أكثر الأصناف التي رصدت فيها متبقيات المبيدات.
وبالنظر إلى مبيدٍ محدد، كانت دراسة أجريت بين عامي 2016 و2018 أظهرت وجود مبيدٍ يسمى «الإيميداكلوبريد» في الخضار والفواكه في أسواق عمّان، حيث حللت الدراسة 300 عينة ووجدت أن بقايا هذا المبيد كانت قابلة للكشف في نحو 40٪ من العينات، وسُجّل أعلى تركيز له في عينة من الباذنجان. علمًا بأن هذا المبيد ينتمي إلى فئة من المبيدات الحديثة[2] خضعت خلال العقد الأخير لتقييمات علمية وتنظيمية موسعة[3] بسبب تأثيراتها البيئية الضارة المحتملة، لا سيّما على الحشرات الملقّحة مثل النحل.
يعتبر عبد المجيد العجلوني، رئيس قسم علم الأمراض البيطرية والصحة العامة في جامعة العلوم والتكنولوجيا والمتخصص في علم السموم، أن تكرار هذه النتائج في رصد متبقيات المبيدات على مدار سنوات يعني أن الخلل ليس عابرًا إنما يعكس نمطًا متكررًا، منوهًا إلى أنه يمكن تقدير الأثر الصحي عن طريق النظر إلى كل مادة على حدة، إلا أن وجود أكثر من مبيد في العينة الواحدة يطرح إشكالية مختلفة، إذ قد يكون الأثر التراكمي أو المشترك أكبر من مجموع تأثيرات المواد منفردة.
ما الذي يعنيه التعرّض المستمر لهذه المتبقيات صحيًا؟
ليس المقصود هنا الإصابة بتسمّم حادّ جراء تناول ثمرة ملوثة بكمية كبيرة من المبيدات، إنما «التعرّض المزمن» لجرعات صغيرة منها عبر الغذاء أو الاستنشاق أو اللمس، مثلما تصفه منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة التي تشير إلى أن المخاطر الصحية المرتبطة ببقايا المبيدات ترتبط أساسًا بالتعرض المتكرر لجرعات منخفضة.
عند دخول هذه المتبقيات إلى الجسم يحاول الكبد تفكيكها والتخلّص منها، غير أن مصيرها لا يتحدد بهذه العملية وحدها، فبعض المبيدات تتراكم في الأنسجة الدهنية لفترات طويلة، ما يبطئ التخلص منها ويسمح بانتقالها لاحقًا إلى مجرى الدم وبعض الأعضاء الأخرى، وقد تنتقل أحيانًا إلى الجنين عبر المشيمة أو إلى الرضيع عبر حليب الأم. ومع تكرار التعرض لهذه المتبقيات تتشكل آثار تراكمية تُعرف علميًا بمفهوم «العبء الكيميائي».
من هذا المنظور، لا تُقرأ بقايا المبيدات بوصفها أرقامًا مخبرية منفصلة، بل كجزء من مسار تراكمي يتسلّل إلى الغذاء اليومي بهدوء. فعندما نشتري -مثلًا- كيلو خيار أو نحضّر ساندويش فلافل لأطفالنا، فإننا قد نتعرّض لجرعات صغيرة لا تُحدث أثرًا فوريًا، لكنها تتراكم في أجسامنا باستمرار.
وتتضح أبعاد المشكلة أكثر عند النظر إلى طبيعة المبيدات نفسها، خصوصًا عند التعرض المتزامن والمتكرر لمزيج منها، حتى لو كانت كمية كل مادة منفردة ضمن الحدود المسموح بها. فالمبيدات كما يوضّح صلاح الدين الأعرج، رئيس قسم وقاية النبات في الجامعة الأردنية، ليست مادة واحدة متجانسة، بل تنتمي لعائلات كيميائية يختلف سلوكها داخل الجسم وتأثيرها الصحي باختلاف تركيبها.
يشير الأعرج إلى أن بعض المبيدات المستخدمة منذ عقود[4] يتميّز بدرجة عالية من الثبات في البيئة، وقابلية للذوبان في الدهون، ما يجعلها تميل إلى التراكم في الأنسجة الدهنية والكبد والبقاء في الجسم طويل. ومن جهته، يوضح العجلوني أن التعرّض المزمن لهذه المبيدات ارتبط باضطرابات هرمونية وعصبيّة، ومخاطر محتملة على الخصوبة ونمو الأجنّة، إضافة إلى زيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان على المدى الطويل، وهو ما دفع بعض الدول إلى تقييد استخدامها أو حظرها.
في المقابل، تُستخدم فئة أخرى من المبيدات[5] تُعدّ أقل ثباتًا في البيئة، لكنها أكثر تأثيرًا على الجهاز العصبي، إذ تعمل على تعطيل آليات نقل الإشارات في الجهاز العصبي[6]. وبحسب تقارير صادرة عن منظمات دولية معنية بالصحة والغذاء، قد يرتبط التعرّض طويل الأمد لجرعات منخفضة من هذه المبيدات باضطرابات تدريجية في الذاكرة والتركيز وبعض وظائف الجهاز العصبي، مع تفاوت شدة التأثير تبعًا لعوامل فردية مثل العمر والحالة الصحية والتغذية.
وثمة فئات أحدث من المبيدات[7] طُوِّرت لاستهداف الحشرات بدرجة أكبر عبر التأثير على جهازها العصبي، مع تقليل حدّة سميّتها المباشرة على الثدييات، غير أن تقييمات حديثة أظهرت أن التعرّض المزمن لهذه المواد، حتى بجرعات منخفضة، قد يؤثر سلبًا على كائنات حيّة أساسية للنظام البيئي، مثل إضعاف قدرة النحل على التوجيه والتعلّم والتذكّر، وهو ما انعكس عالميًا في تراجع أعداد مستعمرات النحل، ما دفع بعض الدول إلى تقييد استخدام هذه المبيدات أو حظرها جزئيًا.
وعليه، لا تكمن خطورة المبيدات في مادة بعينها، بل في نمط التعرّض المتزامن لعائلات كيميائية مختلفة. ويوضح العجلوني أن الجرعات المنخفضة من المبيدات صُمّمت أساسًا لتكون قاتلة لكائنات حيّة صغيرة -مثل الحشرات- وهو ما يعني أنها تمتلك بطبيعتها خواص سُمّية قد تؤثّر في كائنات أخرى بدرجات متفاوتة، حتى عندما لا تُحدث أعراضًا فورية، ما يجعل تقييم المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرّض طويل الأمد أكثر تعقيدًا. مضيفًا أن خطورة بعض المبيدات لا تكمن فقط في تجاوزها الحدود المسموحة، بل في طبيعة تأثيرها البيولوجي، فبعض المواد الكيميائية المستخدمة تمتلك خصائص مسرطنة محتملة أو يشتبه بقدرتها على المساهمة في نشوء السرطان، وقد تُحدث تأثيرات على الكبد وأعضاء أخرى حتى عند الجرعات المنخفضة. كما قد يتداخل بعضها مع عمل الهرمونات أو يضعف الاستجابة المناعية على المدى الطويل. ورغم أن عددًا من هذه المواد ما يزال مُجازًا ضمن أطر تنظيمية معيّنة فإن ذلك لا يعني غياب الخطر، بل يعكس حدود نماذج التقييم التي لا تأخذ دائمًا في الحسبان التعرّض المتزامن والمتكرر لمثل هذه المواد.
وقد يكون هناك ارتباط بين التعرّض لبعض المبيدات وزيادة خطر الإصابة بأنواع معيّنة من الأورام. ففي دراسة واسعة النطاق أُجريت في الولايات المتحدة، وتابعت أكثر من 30 ألف امرأة من زوجات العاملين في رشّ المبيدات الزراعية، تبيّن أن التعرّض لفئات معيّنة من المبيدات ارتبط بارتفاع خطر الإصابة بسرطانات الثدي والغدة الدرقية والمبيض. ولا تُطرح هذه النتائج بوصفها دليلًا على علاقة سببية مباشرة، بل باعتبارها مؤشرات على ارتفاع احتمالات الإصابة لدى من تعرّضن لهذه المواد لفترات طويلة.
ويعزّز هذا القلق ما توصّلت إليه مراجعة علمية شرحت كيفية تأثير المبيدات داخل الجسم، إذ تُظهر أن عدّة فئات من هذه المواد قد تكون مرتبطة بتطوّر السرطان من خلال إحداث تلف في المادة الوراثية، والتسبّب بإجهاد تأكسدي، والتأثير في تنظيم الجينات. وبحسب المراجعة فلا يعني التعرّض المتكرر لمستويات منخفضة من بقايا المبيدات الإصابة بالسرطان حتمًا، لكنه يضع هذه المواد ضمن فئة تستدعي حذرًا خاصًا من منظور الصحة العامة.
وكان بيان صادر عن جمعية الغدد الصمّاء، وهي جمعية علمية دولية متخصّصة في أبحاث الهرمونات، أشار إلى أن عددًا من المبيدات الزراعية الشائعة يُصنَّف ضمن «معطِّلات الغدد الصمّاء»، أي أنها قادرة على التدخّل في عمل الهرمونات الطبيعية في الجسم، وقد تحدث هذه التأثيرات عند جرعات منخفضة متكررة، بما قد ينعكس على الخصوبة والحمل ونمو الأجنّة.
محليًا، وعلى مستوى التعرّض المهني تحديدًا، قدّمت دراسة أُجريت على مزارعين معرّضين للمبيدات دليلًا أكثر تحديدًا على أثر التعرّض للمبيدات طويل الأمد، فقد وثّقت الدراسة ارتفاعًا في حدوث تغيّرات جينية معيّنة لدى المعرّضين مقارنة بغير المعرّضين، وهي تغيّرات معروفة في الأبحاث الطبية بارتباطها بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع سرطانات الغدد الليمفاوية، وتعد مؤشرًا على تأثير سمّي جيني مزمن. ولا تعني هذه النتيجة أن كل من يحمل هذا المؤشر سيُصاب بالمرض، لكنها تشير إلى أن التعرّض الطويل للمبيدات قد يترك «بصمة بيولوجية» قابلة للرصد على مستوى الخلايا، حتى في غياب أعراض مباشرة.
ورغم أن جانبًا واسعًا من النقاش العلمي يركّز على آثار التعرّض المزمن منخفض الجرعة، تُظهر المعطيات المتاحة في الأردن أن التسمم الحاد بالمبيدات ما يزال أحد وجوه المشكلة. ففي شمال المملكة، خلصت دراسة طبٍّ شرعي غطّت الفترة بين عامي 2011 و2021 إلى توثيق 62 حالة وفاة مؤكدة بسبب التسمم ببعض أنواع المبيدات،[8] واعتبر الباحثون هذه الوفيات «مشكلة صحة عامة قابلة للوقاية». ويتقاطع ذلك مع ما خلص إليه تقرير صادر عام 2020 أشار إلى استمرار استخدام مبيدات مصنّفة «شديدة الخطورة» في الأردن وربطها بتسجيل حالات تسمم حاد ووفيات في ظل ثغرات تنظيمية ورقابية.
هل الثمار «المطابقة للمواصفات» آمنة صحيًا؟
في الخطاب الرقابي الرسمي تُقدّم سلامة الغذاء غالبًا من خلال مفهوم «المطابقة» مع المواصفات المعتمدة، أي وجود متبقيات المبيدات ضمن الحدود المسموح بها. غير أن هذا المؤشر -على أهميته الرقابية والقانونية- لا يقدم بالضرورة صورة كاملة عن مخاطر التعرض المزمن لمتبقيات المبيدات. فعلى سبيل المثال، أجريت عام 2023 دراسة أردنية لتحليل المخاطر الغذائية مستندةً إلى تحليل نحو 8,000 عينة غذائية جُمعت ضمن برنامج المراقبة الوطني التابع لمؤسسة الغذاء والدواء، وقد أظهرت النتائج أن نحو 15.7% من العينات احتوت بقايا مبيدات قابلة للقياس، فيما تجاوزت 41.7% من هذه العينات التي احتوت متبقيات الحدّ الأقصى المسموح به، أي ما يعادل قرابة 6.5% من إجمالي العينات المفحوصة.
تكشف هذه النتائج عن فجوة بين منطق الرقابة ومنطق التعرّض الفعلي لهذه المواد؛ فالحدّ الأقصى لمتبقيات المبيدات هو معيار تنظيمي يُستخدم للحكم على صلاحية الغذاء للتداول، ويُعتمد في الأردن استنادًا إلى معايير وطنية مستندة إلى الدستور الغذائي العالمي،[9] لكنه لم يُصمّم أصلًا ليكون مقياسًا مباشرًا للمخاطر الصحية طويلة الأمد، بل أداة لضبط السوق والرقابة عليها. في المقابل، تنظر المقاربات الصحية الفُضلى إلى التعرّض المتكرر عبر الغذاء اليومي، لا إلى عينة واحدة معزولة.[10]
وعند الانتقال من قياس المتبقيات في العيّنات إلى تقدير التعرّض الفعلي، أظهرت حسابات الدراسة -ضمن سيناريوهات تحفّظية أُعدّت كفحص أولي للمخاطر- أن متوسط الاستهلاك اليومي التقديري لعدد من المبيدات قد يتجاوز الكميات اليومية المقبولة صحيًا. وتشدد الدراسة على أن هذه النتائج لا تعبّر بالضرورة عن الاستهلاك الواقعي اليومي، لكنها تُستخدم لتحديد المواد التي تستدعي تقييمًا أعمق لاحقًا، خصوصًا أنه ظهر في العيناتِ مبيداتٌ مقيَّدة أو محظورة في بعض الدول من بينها الاتحاد الأوروبي.[11]
وتزداد دلالة هذه النتائج عند النظر إلى طبيعة التعرّض نفسها. إذ تظهر الدراسة أن أكثر من ثلث العينات التي احتوت متبقيات تضمّنت أكثر من مبيد واحد؛ أي أن المستهلك قد يتعرّض لمزيج متكرر من مواد مختلفة عبر وجبات يومية متعددة. وعليه، لا يعود السؤال مقتصرًا على ما إذا كان المنتج «مطابقًا»، بل يمتد إلى معنى التعرّض المستمر لمزيج من مبيدات مختلفة عبر وجبات يومية متعددة، حتى عندما تكون كل مادة منفردة ضمن حدّها المسموح. علمًا أن هذا التحوّل في طريقة قراءة النتائج دفع بعض الجهات التنظيمية الدولية، مثل الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء، إلى تطوير مقاربات تأخذ في الحسبان التعرّض المتكرر لمبيدات تؤثر في بعض أجهزة الجسم، مثل الجهاز العصبي والغدة الدرقية، بدل الاكتفاء بتقييم كل مادة على حدة، ما يعبّر عن اعتراف متزايد بأن أدوات الرقابة التقليدية -رغم ضرورتها- قد لا تلتقط بالكامل نمط التعرّض الفعلي الذي يعيشه المستهلك يوميًا.
عمومًا، تميل الرواية الرسمية في الأردن إلى التأكيد على سلامة المنتجات الزراعية استنادًا إلى نتائج الفحوصات المخبرية ونسب «المطابقة». وفي أكثر من مناسبة أكدت وزارة الزراعة أن التحاليل التي تُجرى على الخضار والفواكه المحلية تُظهر صلاحيتها للتداول وأمانها للاستهلاك. ومع ذلك يبدو أنه توجد فجوة تنظيمية بين تطور الأدلة العلمية ووتيرة تحديث المعايير الوطنية، بدلالة استمرار السوق المحلي -بشكل قانوني- في استخدام وتداول بعض المبيدات المحظورة أو المقيدة في أسواق أخرى. ويرى صلاح الدين الأعرج، رئيس قسم وقاية النبات في الجامعة الأردنية، أن جزءًا من المشكلة يعود إلى بطء تحديث المعايير الوطنية مقارنة بالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فيما تغيب المراجعة الدورية المبنية على أحدث المعطيات العلمية.
وفي هذا السياق، حاولت «حبر» التواصل مع كل من وزارة الزراعة والمؤسسة العامة للغذاء والدواء للحصول على تعليق حول المعايير الوطنية ومسألة التعرّض طويل الأمد لمتبقيات المبيدات، إلا أن أيًا من الجهتين لم يعلّق حتى وقت النشر. لكن يُذكر أن وزارة الزراعة أعلنت أوائل العام 2024 عن إقرار خطة وطنية للرقابة على متبقيات المبيدات والملوثات في الخضار والفواكه للأعوام 2024–2025، والتي تركز على تحديث التشريعات الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتوسيع قدرات المختبرات، وزيادة أعداد الفحوصات الدورية للمنتجات الزراعية المحلية والمستوردة، إلى جانب إطلاق برامج إرشادية للمزارعين، وتشجيع أنماط زراعية أقل اعتمادًا على المبيدات الكيميائية.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الممارسات الزراعية الحديثة لم تعد تقتصر على البحث عن بدائل كيميائية للمبيدات الشائعة حاليًا، بل صارت تشمل تعديل الطريقة التقليدية لمكافحة الآفات، حيث يتصاعد الاهتمام عالميًا بالمبيدات الحيوية المستخرجة من كائنات طبيعية مثل البكتيريا والفطريات والنباتات. يوضح الأعرج أن هذه المبيدات تعطّل دورة حياة الحشرة وتستهدف آفات محددة دون الإضرار بالكائنات الأخرى بما فيها النحل والكائنات المائية، ما يقلل الأثر البيئي والصحي طويل الأمد.
وبحسب الأعرج فإن الأردن بدأ تسجيل بعض المبيدات الحيوية واستخدامها على نطاق محدود جدًا بإشراف وزارة الزراعة والمركز الوطني للبحوث الزراعية، وتشمل مثلًا منتجات تعتمد على البكتيريا لمكافحة يرقات الفراشات والعثّ، ومنتجات أخرى قائمة مستخلصة من زيوت نباتية. مضيفًا أن انتشارها محدود بسبب ارتفاع التكلفة، وبطء مفعولها مقارنة بالمبيدات الكيميائية، ونقص الخبرة التطبيقية لدى كثير من المزارعين، الذين يركزون أساسًا على حجم الإنتاج. ويرى أن التوسع التدريجي في استخدامها، وتطوير إنتاجها محليًا، وربطها ببرامج إرشادية، يمكن أن يقلل الاعتماد على المبيدات عالية الخطورة دون تحميل المزارعين عبء التحوّل وحدهم.
على مستوى المستهلكين، تظل الإجراءات الفردية محدودة الأثر في تجنب المتبقيات، لكن بعضها قد يكون مفيدًا جزئيًا. يقول الأعرج إن الغسل الجيد وفرْك قشور الثمار يمكن أن يخفّفا جزءًا كبيرًا من البقايا السطحية. كما أن التقشير أو نزع الأوراق الخارجية في بعض الخضار الورقية -مثل الملفوف- يقلل من الطبقات الأكثر تعرّضًا للرش، لكنه لا يزيل بطبيعة الحال المبيدات التي امتصّتها النباتات إلى داخل أنسجتها، مشيرًا إلى أن بعض المركّبات لا تزول حتى مع الطهي. وهو ينصحُ بتناول الثمار في موسمها إذ غالبًا ما ترتبط الزراعات خارج الموسم باستخدام مكثّف للمبيدات ومنظّمات النمو لتعويض الظروف المناخية غير الملائمة وتسريع النضج أو حماية المحصول. داعيًا إلى تنويع أماكن شراء الخضار والفواكه لو أمكن ذلك، باعتباره إجراءًا وقائيًا نسبيًا لتقليل التعرّض المتكرر لنمط واحد من بقايا المبيدات.
في الختام، يمكن القول إن القضية هنا لا ترتبط بالسلوك الفردي للمستهلك بأي حال، إنما بتطوير الممارسات الزراعية، وإعادة تقييم المبيدات المسموح بها أصلًا استنادًا للأدلة الصحية المتراكمة، وتحديث القوائم التنظيمية بصورة دورية بما يتواءم مع المعايير الدولية الأكثر تشددًا، فضلًا عن توسيع قدرات المختبرات لرصد أوسع نطاق ممكن من المبيدات. بكلمات أخرى، إن حماية السكان تتطلب مقاربة متكاملة تربط بين السياسات الزراعية والمختبرات وأطر الرقابة والتحديث العلمي، بحيث يُعالج التعرض المزمن لمتبقيات المبيدات كمسألة صحة عامة وليست خيارًا فرديًا معزولًا.
-
الهوامش
* اسم مستعار حفاظًا على الخصوصية.
[1] مثل الكلوربيريفوس الذي أوقف اعتماده في الاتحاد الأوروبي عام 2020.
[2] تُعرف بالنيونيكوتينويدات.
[3] من بينها تقييمات الهيئة الأوروبية لسلامة الغذاء (EFSA).
[4] المبيدات الكلورينية العضوية (Organochlorine Pesticides – OCPs)، مثل DDT والديلدرين.
[5] المبيدات الفوسفاتية العضوية (Organophosphate Pesticides – OPs)، مثل الكلوربيريفوس والمالاثيون.
[6] تعمل هذه المركّبات على تثبيط إنزيم الأستيل كولين إستيراز، المسؤول عن تنظيم نقل الإشارات العصبية، ما يؤدي إلى تراكم الناقل العصبي الأستيل كولين وحدوث اضطراب في نشاط الجهاز العصبي.
[7] النيونيكوتينويدات (Neonicotinoids)، مثل الإيميداكلوبريد.
[8] مع بروز واضح لمبيدات الفوسفات العضوية والكاربامات.
[9] المعيار الأردني رقم 1925/2019، المستند إلى معايير الدستور الغذائي (Codex Alimentarius).
[10] يعتمد التقييم الصحي على الكمية اليومية المقبولة (ADI)، وهي قيمة إرشادية تُستخدم لتقدير ما إذا كان التعرّض اليومي المتكرر قد يقترب، وفق نماذج التقييم الصحي، من مستوى يُعد غير مرغوب صحيًا على المدى البعيد.
[11] يبرز من بينها مبيد الكلوربيريفوس.





