باليت المدى: شبابيك الفردوس
ستار كاووش
حين إقتربت خطواتي من متحف شنوتخن وسط مدينة كولن الألمانية، لم أكن أعرف بأني سأشاهد أجمل معرض في حياتي. فيا لها من متعة وسعادة عظيمة أن أكون اليوم في هذه المدينة التي منحتني فرصة لن تتكرر أبداً. ما أن دخلتُ المتحف، أحاطتني مجموعة كبيرة من لوحات المعرض الذي ضم أعمالاً عديدة جداً من رسومات الزجاج المعشق بالرصاص، والتي من النادر أن تراها مجتمعة في مكان واحد. هكذا وجدتُ نفسي أتنقل بين الأعمال التي إنبثق منها الضوء مشعاً بفضل الإنارة التي وُضعت خلفها، إنارة خاصة حولتها الى حلم. وكلما يشرقَ الضوء وسط اللوحات، يتوهج معه ضوء آخر في قلبي من فرط الدهشة والسعادة التي لا أستطيع وصفها بكلمات.
إضافة الى مجموعته الدائمة من لوحات الرسم على الزجاج، فقد إستضاف المتحف أعداداً كبيرة من أعمال هذا المعرض من مجموعة متاحف بمدينة كييف، وقد تفرغ فريق كامل من الفنانين والفنيين بمدينة كييف لتهيئة الأعمال في صناديق خاصة ومحمية وسط الحرب التي تمر بها البلاد، وإرسالها إلى ألمانيا، حيث مدينة كولن، لتكون النتيجة هذه المعرض الفريد الذي حمل عنوان (ضوء وسط الظلمة) الذي يقول لنا بأن الفن والإبداع أبقى وأقوى من العتمة.
الكثير من أعمال هذا المعرض كبيرة الحجوم وقد قاربَ بعضها سقف صالات المتحف، يُضاف الى ذلك أساليب الرسم التي بدتْ في غاية الدقة والإتقان وبمعالجات تحمل الكثير من الدراية بهذا الفن النادر والعريق. أتأمل اللوحات الممتدة على جدران المتحف، فأرى الشخصيات كأنها خرجت من ظلمة بعيدة نحو نور ملون يهديء الروح ويمنح الطمأنينة. هنا، وسط هذه الأعمال انتابتني مشاعر مختلطة، حيث إمتزجت الرفعة بالمهابة، السحر بالقوة، العتمة بالبهجة، وإختلطت الحكايات القديمة بالجمال الذي يشبه الحقيقة. أُتابع ببصري عروق الرصاص وهي تتفرع بين ثنايا الأعمال الفنية وكأنها أغصان شجرة أسطورية، وقد إلتمعتْ بينها شظايا الزجاج الملون مثل قطع حلوى تعود لأيام قصية. أشكال تشبه النذور المقدسة تبث روحها المهيبة في أرجاء المتحف، فيما أنا لا أملك سوى السير وسط هذا المتعة، وقد إختلطت خطواتي الحاضرة مع عطر التاريخ، وعشت بين الجمال العميق والسطوة التي تبثها عيون الشخصيات هنا وهناك، سطوة لا تُريد أن تهدأ ولا يمكنها أن تخفت. أنه الابداع الفريد والجمال الذي أختبره الزمن، هو الفن الذي يشبه شهاباً إنعكس ضيائه على جدران المتحف وحوّلها الى شبابيك تطل على الفردوس، شبابيك فتحت أذرعها لتسكب الضوء الملون على وجوه الزائرين الذي يتنقلون بهدوء مشوب بالحذر. لم أختبر أبداً مثل هذا الضوء الذي بدا كأنه يُعيدني الى بضع مئات من السنين، ثم يعيدني خلال لحظات إلى صالات المتحف.
أنظر الى الأحمر القاني وهو يَندَّسُ بين ثنايا اللوحات معلناً حضوره الطاغي، يجاوره أزرق الكوبالت الحكيم والمقدس، وقد جمع هذين اللونين بين الإقدام والهداية، حتى خُيِّلَ لي بأنهما يتحاوران مثل قديسين في معبد قديم، فيما الأصفر الدافيء يتغلغل بنعومة وكأنه لهيب شمعة يمنح المشهد نوعاً من الدفيء. قوة اللون هنا وتوزيعه بمساحات محسوبة ومتوازنة تجعلنا نفهم الكثير من أسرار الرسم على الزجاج. تأملت فروقات الألوان وتخيلتُ كيف فرشَ الفنان ألوانه على قطع الزجاج، ثم قام بإزالة بقع صغيرة من اللون بواسطة قطعة قماش مبللة، ثم أمسكَ شفرة حادة وحَكَّ بها بعض أجزاء اللون وسط اللوحة، ليجعل اللوحة تتنفس بعد أن يتغلغل فيها الضوء من الخلف.
أكملتُ مشاهدة المعرض ولا أعرف كم مرَّ من الوقت داخل المتحف، فخرجت الى الشارع وتوقفتُ عند محطة الباص القريبة، ثم إلتفتُ إلى بناية المتحف وعرفتُ بأني قد تركت هناك شيئاً عظيماً، وتأكدتُ بأني شاهدتُ داخل هذه البناية واحداً من أعظم الكنوز الفنية التي لا تتكرر رؤيتها مرتين. وما أن هممتُ بأكمال طريقي، تذكرتُ بأني قد نسيت مشاهدة معرض آخر في ذات المتحف، أنه معرض التماثيل الخشبية الملونة، نعم لقد بهرتني أعمال الزجاج المعشق بالرصاص وأنستني كل شيء. تحسست بطاقة المتحف التي مازالت في جيب سترتي، وإستدرتُ عائداً من جديد الى المتحف لأكمل مشاهدة بقية المعروضات. هذا ما يفعله بنا الفن العظيم، وهذا ما يخبرنا به الجمال الذي يقول، لا مقدس سوى الفن، ولا ساحر سوى الجمال ولا حقيقي سوى ما يقدمه الناس من خلال قلوب مفعمة بالمحبة والأمل والعرفان.
The post باليت المدى: شبابيك الفردوس appeared first on جريدة المدى.




