باكستان ودبلوماسية الحافة: كيف نجحت في إخماد التصعيد بين واشنطن وطهران؟
باكستان ودبلوماسية الحافة: كيف نجحت في إخماد التصعيد بين واشنطن وطهران؟
بقلم: أ.د. محمد تركي بني سلامة
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع تصاعد غير مسبوق في حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ضمن سياق الحرب الأوسع المرتبطة بإسرائيل، برزت باكستان كلاعب دبلوماسي غير تقليدي استطاع أن يفتح نافذة للتهدئة في مشهد كان يتجه نحو انفجار شامل. هذا الدور لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج حسابات استراتيجية دقيقة جمعت بين الضرورات الجيوسياسية والبراغماتية السياسية.
لقد دفعت عدة عوامل باكستان إلى التدخل. أولها موقعها الجغرافي الحساس، فهي دولة مجاورة لإيران، وأي تصعيد عسكري واسع سيؤثر مباشرة على أمنها القومي واستقرار حدودها. كما أن ارتباطها بعلاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج منحها قدرة فريدة على التواصل مع أطراف متعارضة. إلى جانب ذلك، فإن استقرار طرق الطاقة، خاصة مضيق هرمز، يمثل مصلحة حيوية لاقتصادها، ما جعلها ترى في التهدئة ضرورة لا خياراً.
أما على صعيد إدارة الوساطة، فقد اعتمدت باكستان على دبلوماسية متعددة القنوات، جمعت بين التحركات السياسية والعسكرية. فقد لعبت القيادة السياسية دوراً في فتح قنوات الحوار، بينما ساهمت المؤسسة العسكرية في تعزيز مصداقية الرسائل الأمنية. هذه الازدواجية منحت الوساطة ثقلاً عملياً، حيث لم تكن مجرد مبادرات سياسية بل مدعومة بضمانات واقعية.
وقدمت باكستان مقاربة مرحلية ذكية تقوم على وقف إطلاق نار مؤقت يتبعه مسار تفاوضي أوسع، وهو ما سمح للطرفين بالتراجع خطوة إلى الخلف دون فقدان ماء الوجه. كما مارست ضغطاً مهماً لتأجيل أي تصعيد عسكري وشيك، ما وفر نافذة زمنية حاسمة لإنضاج التفاهمات. هذا العامل تحديداً كان نقطة تحول أساسية في مسار الأزمة.
لا يمكن فهم نجاح هذه الوساطة دون التوقف عند الدور الصيني. فقد شكلت الصين عامل توازن مهم، إذ قدمت دعماً سياسياً وضمانات غير مباشرة لإيران، ما ساهم في بناء حد أدنى من الثقة. كما أن التنسيق الباكستاني–الصيني أضفى بعداً دولياً على الوساطة، وقلل من مخاوف الانحياز، خاصة في ظل الشكوك الإيرانية التقليدية تجاه الغرب.
أما أسباب نجاح الوساطة الباكستانية فتتمثل في عدة عناصر مترابطة: أولها القدرة على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف، وثانيها تقديم حلول واقعية وغير متطرفة، وثالثها استغلال اللحظة الحرجة التي كان فيها الجميع يبحث عن مخرج من التصعيد. كما أن المرونة الدبلوماسية، إلى جانب الدعم الصيني، أسهمت في تعزيز فرص النجاح.
مع ذلك، فإن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يبقى هشاً ومؤقتاً بطبيعته. فهو لا يعالج جذور الصراع، بل يؤجل انفجاره. الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي والدور الإقليمي، لا تزال قائمة، كما أن أطرافاً أخرى في المشهد، وعلى رأسها إسرائيل، قد تسهم في تقويض هذا المسار.
وعليه، فإن مستقبل هذا الاتفاق مرهون بنجاح المفاوضات القادمة. فإذا تمكنت الأطراف من تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام، فقد نشهد تحولاً حقيقياً في إدارة الصراع. أما إذا فشلت هذه الجهود، فإن المنطقة قد تعود سريعاً إلى دائرة التصعيد، وربما بشكل أكثر خطورة.
في المحصلة، قدمت باكستان نموذجاً لوساطة ذكية في زمن الأزمات، لكنها تبقى خطوة أولى في طريق طويل، لا تزال نهايته مفتوحة على جميع الاحتمالات.
هذا المحتوى باكستان ودبلوماسية الحافة: كيف نجحت في إخماد التصعيد بين واشنطن وطهران؟ ظهر أولاً في سواليف.


