بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر السلام عليكم
أن تزعج قداسة البابا المرجع الديني الأعلى لأكثر من مليار ونصف مسيحي كاثوليكي في العالم ليس بأمر هيّن أو مقبول ، فكيف الحال إذا تم انتقاده ووصفه بصفات غير لائقة. هذا هو ترامب لا خطوط حمراء أمام المصلحة والنرجسية المفرطة. فمن يهدد حضارة بأكملها بالابادة يعيش فيها 350 مليون انسان لا عجب إن ينشر صورة يتشبه فيها بشخصية على هيئة السيد المسيح . صحيح أن الصورة التي نشرها ترامب سرعان ما تمت إزالتها بعد الجدل الكبير الذي ساد الأوساط المسيحية الأمريكية والعالمية. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يجسد فيها ترامب رمزا دينيا، فقد سبق أن جسد شخصية بابا الفاتيكان في منشور آخر على منصته وهو يرتدي الملابس البيضاء التقليدية ويضع صليبا ذهبيا على صدره في أعقاب وفاة البابا الراحل فرنسيس ومشاورات اختيار البابا القادم .
ليس جديداً الخلاف بين ترامب ورأس الكنيسة الكاثوليكية لكن اللافت للنظر هذه المرة هو رد البابا ليو الرابع عشر على انتقادات ترامب الفجة، فهو لم يتجاوزها كون هذا الأخير معروف عالميَّا بتطاوله على أيّ كان، إنما تعامل مع المسألة بلغة قوية وحاسمة ومتحدية جدا في الرد قائلاً: "ليس لدي خوف من ادارة ترامب" . فماذا يعني ذلك ؟
أولا: أن بابا الفاتيكان ملتزم ومصر على الاستمرار بنهجه القاضي بالدعوة لإسكات صوت الاسلحة في أوكرانيا وغزة وايران، وذلك بحكم ما تقتضيه مسيحيته وأخلاقياته وقناعاته المتجذرة والنابعة من خبراته العلمية والعملية ، ولن يتنازل عن أي من مبادئه رغم التهديدات من ترامب وإدارته ومطالبتهم إياه بدعم الحرب على ايران وهو ما رفضه رفضًّا تامًّا مشيراً إلى أن الله لا يمنح البركة للحروب والدماء .
ثانيا: إن الجدل بين البابا ليو الرابع عشر ودونالد ترامب ليس عابرا بل هو خلاف واختلاف فكري وقيمي بين نقيضين لديهما وزن ونفوذ هائل في العالم . الاول يدعو إلى وضع حدود للقوة والغطرسة والسلطة أو كما سماها " وهم القوة المطلقة" من منطلق أن المسائل تتعلق بالمبادئ والأخلاق والانسانية . والثاني يمثل كل ما له علاقة بالمصالح والأنا والرأسمالية المتوحشة. لكن هناك فارق مصيري بينهما فالبابا ليو الرابع عشر لا يسعى للفوز في الانتخابات وللسيطرة على النفط والأموال على عكس الآخر الذي بات يشعر بالتهديد الذي تمثله السلطة البابوية وتوجهاتها على مصيره الشخصي ومجده السياسي. ولهذا يمثل البابا في نظر ترامب القوة الموازية المؤثرة والوحيدة في عالم يفتقد قوة عالمية توقف توحش ترامب ومصالح المليارديرات حوله.
ثالثا: لم يتدخل قداسة البابا ليو الرابع عشر في السياسة لكن ترامب هو الذي استخدم الدين في السياسة فعندما يبرر حروبه بأنها مهمّة الهية وحرب روحية، ويصف عملية انقاذ الطيارين في ايران بأنها معجزة عيد الفصح ويصلي مع فريقه صلوات المباركة قبل شن العمليات العسكرية. وهو ما يرفضه البابا تماما بل ويقول أن " الله لا يقبل صلوات من يشنون الحروب" وأن جوهر الرسالة المسيحية هو "طوبي لصانعي السلام"، وأن الاعتماد على الحروب والأسلحة الفتاكة هو "وثنية عسكرية".
يزور البابا ليو الرابع عشر هذه الأيام الجزائر وأفريقيا في زيارة تاريخية تحت شعار السلام عليكم . سلام على الاخوة المسيحية الاسلامية وعلى القيادة الاخلاقية .





