بعد تسلّم التركمان إدارة المحافظة.. هل ينهي اتفاق التدوير أزمات كركوك؟
كركوك / سوزان طاهر
حسم مجلس محافظة كركوك، يوم الخميس الماضي، ملف تنصيب أول محافظ تركماني لمحافظة كركوك، في إطار اتفاق سياسي قائم على مبدأ تداول السلطة بين مكونات المحافظة، وفق مخرجات اتفاق "فندق الرشيد"، الأمر الذي رفضه الحزب الديمقراطي الكردستاني، واعتبر ما جرى "غير شرعي" وتم خارج إرادة أهالي المحافظة.
بدوره، أعلن رئيس كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني في البرلمان العراقي، شاخوان عبد الله، رفض حزبه لآلية عقد اجتماع مجلس محافظة كركوك والتصويت على منصب المحافظ، واصفًا ما جرى بأنه "عملية غير شرعية".
وأضاف أن الحزب "يرفض أي اتفاق يخرج عن نطاق الشرعية وإرادة ناخبي كركوك"، مشددًا على ضرورة الالتزام بالأطر القانونية والدستورية في إدارة شؤون المحافظة.
وفي تحول سياسي يحمل دلالات تاريخية ورمزية عميقة، استعاد التركمان في العراق منصب محافظ كركوك بعد نحو قرن من الغياب، عقب انتخاب محمد سمعان آغا لهذا المنصب، في خطوة أعادت تسليط الضوء على طبيعة التوازنات القومية والسياسية داخل واحدة من أكثر المحافظات العراقية حساسية وتعقيدًا.
وجاء انتخاب آغا خلال جلسة لمجلس محافظة كركوك، عُقدت بعد قبول استقالة المحافظ السابق والقيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني ريبوار طه، لتنتقل إدارة المحافظة إلى المكون التركماني في لحظة وُصفت بأنها مفصلية في مسار الحكم المحلي.
ويعكس هذا التطور إعادة تشكيل جزئية لمعادلات السلطة داخل كركوك، التي ظلت لعقود طويلة ساحة تنافس بين العرب والكرد والتركمان، في ظل تداخل اعتبارات سياسية وتاريخية وأمنية واقتصادية.
مخالفة قانونية
وفي السياق، يرى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسين أن ما جرى في كركوك مخالف للقانون، ولا يوجد نص دستوري أو قانوني اسمه تدوير المناصب، وهو ضربة للعملية الديمقراطية.
وأوضح، خلال حديثه لـ"المدى"، أنه "لا يجوز الربط بين المناصب في بغداد وكركوك، كما أن ما جرى هو تجاوز على أصوات الأغلبية الكردية داخل المدينة، التي حققت نصف أصوات الناخبين".
وأشار إلى أن "اتفاقات الغرف المظلمة وخلف الكواليس تضر باستقرار مؤسسات الدولة، ونحن رفضنا المشاركة في جلسة مجلس المحافظة، ولن نشارك بإدارة كركوك، ولن نقبل بالتجاوز على خصوصيتها، ونتوقع أن ما جرى سيؤثر على الاستقرار السياسي والإداري في المدينة".
وطُرحت فكرة تدوير المناصب في كركوك بعد تعثر تشكيل حكومتها الأخيرة، واستمرار الخلاف شهورًا عدة بشأن المناصب السيادية فيها وانعدام الحلول، حيث يقوم الاتفاق على أن تتناوب المكونات الثلاثة على إدارة منصب المحافظ ورئيس المجلس، مع ضمان تمثيل جميع القوى السياسية وإعادة بناء الثقة بين المكونات.
وتعود جذور الأزمة الحالية في كركوك إلى جلسة خاصة عُقدت في فندق الرشيد ببغداد يوم 10 آب/أغسطس 2024، حين انتخب أكثر من نصف أعضاء مجلس المحافظة، ريبوار طه محافظًا ومحمد إبراهيم الحافظ رئيسًا للمجلس، وسط مقاطعة من الحزب الديمقراطي الكردستاني والتركمان وعدد من الأعضاء العرب، ما جعل الإدارة المحلية الجديدة موضع خلاف مستمر منذ تشكيلها.
تعزيز الثقة
في الأثناء، يرى نائب رئيس الحركة القومية التركمانية عباس أوغلو أن ما جرى في جلسة مجلس محافظة كركوك الأخيرة هو الخطوة الأولى لتعزيز الثقة بين المكونات وإنهاء حالة عدم الاستقرار.
وذكر، خلال حديثه لـ"المدى"، أن "منح منصب المحافظ للمكون التركماني خطوة تعزز الثقة داخل المدينة، وتنهي حالة الاحتقان القومي، وفرصة لهذا المكون كي يثبت قدرته على الإدارة، كما فعل في عدة مناصب شغلها في السنوات والعقود السابقة".
وأضاف أن "كركوك اليوم تعيش حالة من الاستقرار الأمني، وما جرى في جلسة مجلس المحافظة سيعزز من الاستقرار الإداري والاجتماعي، وخطوة مهمة لنهضة المدينة الغنية بالموارد الاقتصادية".
وأكد محافظ كركوك، محمد سمعان، أن الإدارة المحلية الجديدة ستعمل على خدمة جميع مكونات المحافظة دون استثناء، مؤكدًا أن "كركوك للجميع"، وأن المرحلة المقبلة تمثل "صفحة جديدة في تاريخ المحافظة".
وقال سمعان، في كلمة له أمام مجلس محافظة كركوك وأعضاء المجلس، إنه يمثل "جميع مكونات كركوك من التركمان والعرب والكرد"، مشيرًا إلى الالتزام بـ"تطبيق مبدأ تدوير المناصب بما يحقق الشراكة بين مختلف المكونات داخل الإدارة المحلية".
في السياق، أبدى القيادي في المجلس العربي في كركوك كريم الجبوري تأييده لخطوة تدوير المناصب في المدينة، مؤكدًا أنها خطوة جيدة لإدارة متعددة القوميات مثل كركوك، وتحتاج إلى إدارة مشتركة.
ولفت، خلال حديثه لـ"المدى"، إلى أن "التركمان من المكونات الأصلية الذين وقفوا على مدى سنوات مع الدولة، ومنحهم منصب المحافظ خطوة تعزز من وجودهم وحضورهم الفاعل في كركوك".
فوضى إدارية
لكن الكاتب والباحث السياسي رشيد الجاف قال إن هذه الخطوة سيكون لها تبعات على المستويين الإداري والاجتماعي.
وبيّن، خلال حديثه لـ"المدى"، أن "المناصب وإدارة المؤسسات تحتاج إلى وقت لكي تحقق الاستقرار الإداري والنجاح، أما أن يستلم المسؤول، سواء كان محافظًا أو نائبًا للمحافظ أو قائممقامًا أو مدير دائرة، المنصب لفترة سنة واحدة، فلن يستطيع عمل أي شيء".
وتابع أن "هذه الخطوة هي ضربة للعملية الديمقراطية والانتخابية، حيث إن انتخاب المسؤولين قائم على تحقيق أعلى النتائج في الانتخابات، والكرد هم من حققوا هذه النسبة، كونهم يمتلكون سبعة مقاعد من عدد مقاعد مجلس محافظة كركوك البالغ، مع الكوتا، 16 مقعدًا".
The post بعد تسلّم التركمان إدارة المحافظة.. هل ينهي اتفاق التدوير أزمات كركوك؟ appeared first on جريدة المدى.





