بعد فنزويلا: المحاكم الأمريكية في خدمة الإمبراطورية
(ترجمة بتصرّف لمقال منشور في الخامس من كانون الثاني 2026، في موقع إنسايد تشاينا، وحمل عنوان «عندما تصبح الحرب العدوانية «عملية إنفاذ قانون»: المنطق الإمبريالي لعقيدة مكافحة التمرد الأمريكية»، ويقدم فيه أستاذ القانون في جامعة شنغهاي تشنغ غه، عرضًا مُهمًّا للكيفية التي طوّرت فيها الولايات المتحدة من أدواتها القانونية، وبالتحديد منذ الحادي عشر من أيلول 2001، وعبر قانون مكافحة التمرّد، بحيث تعيد تسمية تدخلاتها العسكرية حول العالم لتكون عمليات إنفاذ للقانون المحلي، ما يعني أن للمحاكم الأمريكية سلطة فوق سلطة الدول المستقلة، وفوق سلطة الهيئات الأممية، وبذا تتوّج الولايات المتحدة نفسها قوة شرطية في العالم، ضاربة بعرض الحائط أي توافقات دولية مستقرّة حول مفاهيم سيادة الدول وشرعية أنظمة الحكم).
بعد إعلان الرئيس الأمريكي القبض على الرئيس الفنزويلي وزوجته، أعلنت المدعية العامة في الولايات المتحدة باميلا بوندي أن مادورو وزوجته سيحاكمان أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك. لا تَكمن غرابة هذا الخبر في لائحة الاتهام نفسها -فلوائح الاتهام الغيابية لشخصيات سياسية أجنبية من قِبل النظام القضائي الأمريكي ليست خبرًا جديدًا- بل في إغفال بوندي المتعمد لقب مادورو الرئاسي، ووصفه بدلًا من ذلك بأنه مشتبه به جنائي يواجه تهم «التآمر على الولايات المتحدة من خلال ممارسة عمل إرهابي مرتبط بتجارة المخدرات، والتآمر لاستيراد الكوكايين، وحيازة رشاشات وأجهزة مدمرة، والتآمر لحيازة رشاشات وأجهزة مدمرة لاستخدامها ضد الولايات المتحدة».
إن هذا الاختيار المصطلحي الذي يبدو تقنيًا، يكشف في الواقع عن مشكلة هيكلية أعمق في عمل النظام القانوني الأمريكي. ففي هذا النظام، متى يمكن تجريد رئيس دولة ذات سيادة من هويته السياسية وإخضاعه بدلًا من ذلك لولاية المحاكم المحلية الأمريكية كمجرم عادي؟ هنا تجب العودة إلى الأساليب القانونية التي طوّرتها الولايات المتحدة منذ هجمات «11 سبتمبر»، والتي تحوّل التدخلات العسكرية الأجنبية إلى عمليات إنفاذ قانون محلية.
لفهم الجوهر القانوني لقضية مادورو، يجب أولًا فهم كيف أعادت الولايات المتحدة بناء الحدود بين «الحرب» و«إنفاذ القانون» من خلال تقنيات التفسير القانوني. يقوم القانون الدولي التقليدي على مبدأ المساواة في السيادة في نظام ويستفاليا، حيث تخضع النزاعات المسلحة بين الدول لقيود صارمة بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يسمح باستخدام القوة إلا بإذن من مجلس الأمن أو ردًا على هجوم مسلح. ومع ذلك، منذ إقرار قانون «تفويض استخدام القوة العسكرية ضد الإرهابيين» عام 2001، أعادت السلطة التنفيذية الأمريكية بشكل منهجي تعريف بعض العمليات العسكرية عبر الحدود على أنها «ملاحقة لإنفاذ القانون» بدلًا من تسميتها حربًا بالمعنى التقليدي، من خلال سلسلة من المذكرات والآراء القانونية الصادرة عن مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل. وهو ما عنى توسيعًا تعسفيًا لمفهوم «التمرد».
في القانون الدولي التقليدي، يشير التمرّد إلى قوات مسلحة داخل دولة ما تتحدى حكومتها، لكن الخطاب القانوني الأمريكي يوسع هذا المفهوم ليشمل «التحديات التي تواجه النظام الدولي من قبل الفاعلين غير الحكوميين العابرين للحدود الوطنية»، مما يمكّن الولايات المتحدة من وضع نفسها كقوة لإنفاذ القانون «مدعوّة للمساعدة في مكافحة التمرد» بدلًا من كونها طرفًا محاربًا يشن حربًا عدوانية.
يحتوي القانون المحلي الأمريكي على العديد من القوانين التي تستهدف دولًا أخرى ذات سيادة، ومن بينها قانون مكافحة التمرّد. ووفقًا لهذه القوانين، يتم أحيانًا وصف الحكومات الشرعية للدول ذات السيادة بأنها «متمردة»، بينما في أحيان أخرى قد يتم وصف ثوار (Rebels) في دول أخرى بأنهم «متمردون»، مما يكشف أن النظام الذي يُخلّ به «المتمردون» ليس النظام المحلي لدولة ذات سيادة معينة، بل النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
يكمن مكر هذه المنطق القانوني في خلقه «وضعًا قانونيًا هجينًا»؛ فهو يستند إلى قواعد معينة من قانون النزاعات المسلحة لتبرير استخدام القوة المميتة، بينما يطبق معايير أكثر مرونة في إنفاذ القانون في مسائل الاختصاص القضائي وإجراءات الاحتجاز ومراجعة الأهداف. أدت الطبعة المنقحة لعام 2012 من دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد إلى طمس الخط الفاصل بين «مكافحة التمرد» و«عمليات الاستقرار في الخارج»، حيث أعادت تعريف الدعم العسكري الأمريكي للحكومات الأجنبية التي تقمع حركات التمرد على أنه مساعدة في «إنفاذ القانون». في هذا الإطار، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إعلان الحرب على فنزويلا أو التعامل مع حكومة مادورو كخصم محارب؛ بل تحتاج فقط إلى تصنيف أفراد معينين مؤقتًا على أنهم «أعضاء في شبكات إجرامية دولية». وبمجرد الانتهاء من هذا التصنيف القانوني، تنتقل العملية برمتها من إطار القانون الدولي إلى اختصاص القانون الجنائي المحلي للولايات المتحدة. لم يعد مادورو رئيسًا لدولة ذات سيادة، بل أصبح «مُجرِمًا هاربًا»، مشتبهًا به جنائيًا يمكن ملاحقته عالميًا وتسليمه ومحاكمته في المحاكم الأمريكية.
يمكن تتبّع الأصول التاريخية لهذا التحول القانوني إلى قانون قمع القرصنة لعام 1819. خوّل هذا القانون الرئيس الأمريكي تفويض ضباط البحرية بـ«اعتقال ومصادرة وتسليم» القراصنة في أعالي البحار، واستبدلت التفسيرات القانونية الحديثة مفهوم «القراصنة» بمفهوم «الإرهابيين الدوليين» أو «قادة المنظمات الإجرامية العابرة للحدود»، ومفهوم «أعالي البحار» بمفهوم «المناطق غير الخاضعة للحكم». في قضية أنور العولقي عام 2011، نجحت الحكومة الأمريكية في الاستناد إلى هذا المنطق لتنفيذ غارة بطائرة بدون طيار ضد مواطن أمريكي في اليمن، على أساس أن العملية تشكّل «مساعدة في إنفاذ القانون» بدعوة من الحكومة اليمنية، وبالتالي تطبيق قاعدة «الهروب من الولاية القضائية». رغم أن محكمة الاستئناف في واشنطن رفضت القضية على أساس أن المدعين يفتقرون إلى الصفة القانونية، إلا أنها أيدت ضمنًا الإطار القانوني للحكومة في حكمها، أي أنه طالما أن العملية مصنفة على أنها مطاردة لمكافحة الإرهاب ضد جهات غير حكومية، فإنها غير ملزمة بالحصول على موافقة من الكونغرس. وقد حوّل هذا الحكم العمليات العسكرية في الخارج إلى «إنفاذ القانون» بموجب الإطار القانوني المحلي، مما وفر سابقة قانونية لعمليات الاعتقال عبر الحدود اللاحقة.
قضية اختطاف مادورو ليست مجرد حدث قانوني محدد، بل هي أيضًا نقطة تحول رمزية، فهي تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تخلت تمامًا عن جهودها للحفاظ على النظام الدولي من خلال الآليات المتعددة الأطراف، وبدلًا من ذلك، تحولت إلى الاعتماد على الهيمنة القانونية الأحادية لتعزيز استراتيجيتها العالمية. ويكمن جذر هذا التحول في تراجع القوة النسبية للولايات المتحدة واتجاه النظام الدولي نحو التعددية القطبية.
في قضية مادورو، تشكل التهم التي استشهدت بها وزارة العدل الأمريكية جرائمَ جنائية محلية بموجب قانون الولايات المتحدة، غير مستندة في ذلك لأي معاهدة دولية أو تفويض أمميّ. ووفقًا لـ«مبدأ الآثار» و«مبدأ الحماية» اللذيْن تم تطويرهما في الممارسة القانونية الأمريكية، وبما أن السلوك الإجرامي تنتج عنه آثار كبيرة على أراضي الولايات المتحدة أو مواطنيها، أو يهدد مصالح الأمن الأمريكي، يجوز للمحاكم الأمريكية ممارسة الولاية القضائية بغض النظر عن جنسية الجاني أو مكان ارتكاب الفعل. حظيت هذه المطالبة القضائية بدعم جزئي من المحكمة العليا عام 1990، إذ نصّت صراحة على أن التعديل الرابع لا ينطبق على عمليات تفتيش الرعايا الأجانب في الخارج.[1] ومن ثم قامت وزارة العدل الأمريكية، في مذكرة غير منشورة صادرة عام 2010، بتأسيس مفهوم «الدفاع الذاتي النشط»، مستعيرةً المنطق الشُرطيّ المحلي لتبرير سلوكها تجاه دول العالم، بما يبيح للقوات الأمريكية «القضاء المنهجي على الكيانات التي تشكل تهديدًا مستمرًا»، قياسًا على عمليات الشرطة طويلة الأمد للقضاء على «المنظمات الإجرامية المستمرة».
يعتمد عمل هذه الهندسة القانونية على تحوّل مفاهيمي رئيسي هو إعادة تعريف حكومة الدولة ذات السيادة على أنها «منظمة متمردة». في الخطاب التقليدي للقانون الدولي، فإن المعيار للحكم على شرعية نظام ما هو «مبدأ السيطرة الفعلية» -طالما أن النظام يمكنه السيطرة الفعلية على الأراضي، والحفاظ على النظام الأساسي، والوفاء بالالتزامات الدولية، فيجب الاعتراف به كحكومة شرعية لذلك البلد. أمّا منطق قانون مكافحة التمرد الأمريكي فيقدم معيارًا جديدًا تمامًا: «هل يتوافق نظام الحكم هذا مع المعايير المشروعة للنظام الدولي». ويكمن الغموض في هذا المعيار في حقيقة أن ما يسمى «المعايير المشروعة للنظام الدولي» ليس لها تعريف موضوعي في القانون الدولي، بل تعتمد كليًا على تصوّر النخبة السياسية الأمريكية للنظام العالمي. في هذا التصور، ينقسم العالم إلى أطراف معنية مسؤولة و«دول مارقة»، حيث تلتزم الأولى بالقواعد الدولية التي صاغتها الولايات المتحدة، بينما تشكل الثانية تمردًا ضد هذا النظام. وبمجرد أن يُصنّف نظام ما على أنه «دولة مارقة»، لا يُنظر إليه بعد ذلك على أنه عضو شرعي في نظام المساواة السيادية، بل يُنزل إلى مرتبة قوة متمرّدة تحتاج إلى «إخضاع».
ينقلب هذا الخطاب القانوني بشكل فادح على المنطق الأساسي للقانون الدولي. في نظام ويستفاليا، السيادة وضع قانوني لا يَتغير بسبب طبيعة أو سياسات النظام. يمكن إدانة بلد ما أخلاقيًا، وعزله دبلوماسيًا، وفرض عقوبات اقتصادية عليه، لكن وضعه السيادي نفسه غير قابل للتصرف. ومع ذلك، فإن منطق قانون مكافحة التمرّد الأمريكي يُحوِّل السيادة إلى امتياز يمكن منحه أو إلغاؤه، بمعايير تحددها الولايات المتحدة بشكل أحادي تمامًا. فنزويلا هي بلا شك دولة ذات سيادة بالمعنى القانوني الدولي، فقد تم انتخاب مادورو من خلال إجراءات دستورية، والنظام معترف به من الأمم المتحدة، ويحافظ على علاقات دبلوماسية مع الغالبية العظمى من دول العالم. ولكن في السرد القانوني الأمريكي، تصبح هذه الحقائق غير مهمة. يتم وصف حكومة مادورو بأنها «عصابة إجرامية»، ويوصف حكمها لفنزويلا بأنه «احتلال غير قانوني». لذلك، فإن القبض على مادورو ليس انتهاكًا لسيادة رئيس دولة، بل ملاحقة مشروعة لـ«زعيم منظّمة إجرامية عابرة للحدود». وبناء على هذا التوصيف، وبمجرّد القبض عليه ونقله إلى الولاية القضائية الأمريكية، لن يتمتع بأي حصانة لرئيس دولة ولن يعامل معاملة أسير حرب، بل سيحاكم كمتهم جنائي عادي. ستستند المحاكم الأمريكية إلى مبدأ أن «حصانة رئيس الدولة لا تنطبق على الجرائم الدولية»، لكن المشكلة هي أن التهم الموجهة إلى مادورو ليست جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية بالمعنى القانوني الدولي، بل هي مجرّد جرائم جنائية محلية أمريكية. وهذا يعني أن المحاكم الأمريكية تدعي في الواقع أنه طالما أن القانون المحلي الأمريكي يعرّف سلوكًا معينًا على أنه إجرامي ويقرر أن هذا السلوك يهدد مصالح الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة يمكنها ممارسة الولاية القضائية الجنائية على أي شخص في أي مكان في العالم، بما في ذلك رؤساء الدول ذات السيادة.
ينتج عن هذا الادعاء الأمريكي أن المبادئ الأساسية في القانون الدولي المتعلقة بالحصانة السيادية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والعلاقات الدبلوماسية كلها تصبح بلا معنى أبدًا. إذا كان بإمكان كل دولة إجراء ملاحقات عالمية كما تفعل الولايات المتحدة، فإن المجتمع الدولي سيدخل حالة من الفوضى.
تكمن المعضلة الجوهرية في أن هذا المنطق القانوني يتطابق تمامًا مع «استراتيجية مكافحة التمرد» العسكرية الأمريكية. لا يتمثل جوهر نظرية مكافحة التمرد في تدمير العدو، بل في «كسب القلوب والعقول»، أي عزل وتفكيك الأساس الاجتماعي للتمرد من خلال إرساء الشرعية. في الخطاب الاستراتيجي الأمريكي، يُفهم النظام العالمي نفسه على أنه حرب مستمرة لمكافحة التمرد، حيث تمثل الولايات المتحدة وحلفاؤها «الحكومة الشرعية»، بينما الدول التي ترفض قبول النظام الذي تقوده الولايات المتحدة هي «متمردة».
يتم دمج التدخل العسكري والعقوبات الاقتصادية وتغيير النظام والملاحقة القضائية ضد هذه البلدان في فئة «عمليات مكافحة التمرد الشاملة»، التي لا تهدف فقط إلى القضاء على الأعداء، بل إلى كسب دعم المجتمع الدولي من خلال إظهار الإجراءات القانونية، وبالتالي عزل الأنظمة المستهدفة. وتعد لائحة اتهام مادورو مظهرًا نموذجيًا لهذه الاستراتيجية: لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إرسال قوات مباشرة للإطاحة بنظام مادورو، بل تحتاج فقط إلى وصفه بأنه مجرم من خلال إجراءات قضائية، وبالتالي إنكار شرعية حكمه قانونيًا وتوفير مظهر «سيادة القانون» لعمليات تغيير النظام اللاحقة.
هذه العملية المتمثّلة في تحويل النزاعات السياسية الدولية إلى قضايا جنائية محلية لها تقليد طويل في الممارسة القانونية الأمريكية، مثل ما حصل وقت الغزو العسكري الأمريكي لبنما عام 1989 لاعتقال مانويل نورييغا، وهنا كان أحد أسباب غزو الولايات المتحدة لبنما «اعتقال تاجر مخدرات متهم من قبل المحاكم الأمريكية»، رغم أن نورييغا كان حينها الحاكم الفعلي لبنما. عندما نظرت المحاكم الأمريكية في هذه القضية، رفضت صراحة الاعتراف بحصانة نورييغا كرئيس للدولة، على أساس أن نظامه «غير معترف به من قبل الولايات المتحدة كحكومة شرعية». وقد شكل هذا الحكم سابقة خطيرة: يمكن لدولة ما أن تتجنب أحكام القانون الدولي المتعلقة بالحصانة السيادية من خلال رفضها الأحادي الجانب الاعتراف بشرعية حكومة دولة أخرى.
وتكمن الطبيعة الخاصة لقضية مادورو في حقيقة أن الحكومة الفنزويلية لم تتعرض، على غرار نورييغا أو صدام حسين في عهدهما، لهزيمة عسكرية أو انهيار نظام. لا يزال مادورو يسيطر بقوة على أجهزة الدولة الفنزويلية، ولا يزال الجيش والشرطة والقضاء في البلاد موالين له. عملية الاعتقال هذه، في الرواية القانونية الأمريكية، تعاد صياغتها لا كانتهاك لسيادة فنزويلا، وإنما بوصفها «تعاون عبر الحدود في مجال إنفاذ القانون». من المرجح أن تدعي وزارة العدل الأمريكية أن اعتقال مادورو تم بالتعاون مع «الممثلين الحقيقيين للشعب الفنزويلي» -أي حكومة المعارضة الفنزويلية المعترف بها من قبل الولايات المتحدة – وبالتالي لا يشكل انتهاكًا لسيادة فنزويلا. تكمن سخافة هذا الحجة في تحويلها للسيادة من حقيقة قانونية موضوعية إلى حكم سياسي ذاتي: فقط الحكومات المعترف بها من قبل الولايات المتحدة تمتلك السيادة، في حين أن الحكومات غير المعترف بها من قبل الولايات المتحدة، حتى لو كانت تسيطر فعليًا على أجهزة الدولة، لا تعتبر ذات سيادة.
عنصر آخر أساسي في هذه الاستراتيجية القانونية هو التلاعب المزدوج بمفهوم «الشرعية». في الخطاب النظري الأمريكي، يتم التمييز بين الشرعية على أنها «شرعية قانونية» و«شرعية اجتماعية»؛ الأولى تأتي من سلامة الإجراءات، والثانية من التماهي الشعبي. في عمليات مكافحة التمرد المحلية، يجب الحفاظ على كلا النوعين من الشرعية في وقت واحد، لأن الاعتماد فقط على سلامة الإجراءات مع فقدان الدعم الشعبي يؤدي إلى فشل استراتيجي. ولكن على المستوى الدولي، تستغل الولايات المتحدة بمهارة التوتر بين هذين النوعين من الشرعية. عندما تتوافق تصرفات أمريكا مع إجراءات القانون الدولي، فإنها تؤكد على الشرعية القانونية؛ وعندما تنتهك تصرفات أمريكا القانون الدولي ولكنها قد تحظى بدعم بعض البلدان أو الشعوب، فإنها تؤكد على الشرعية الاجتماعية. في حالة مادورو، تفتقر لائحة الاتهام بوضوح إلى الشرعية القانونية بالمعنى القانوني الدولي -لا يوجد تفويض من الأمم المتحدة، ولا أساس قانوني دولي للولاية القضائية العالمية، بل مجرد توسع أحادي الجانب للقانون المحلي الأمريكي- لكن الولايات المتحدة تحاول كسب الشرعية الاجتماعية من خلال تصوير حكومة مادورو على أنها «ديكتاتورية وفاسدة وتجار مخدرات»، وبالتالي الدفاع عن أفعالها في الرأي العام الدولي.
هذا التلاعب بالشرعية يعني تطبيعًا مع «خلق حالة الاستثناء». يعرّف كارل شميت صاحب السيادة على أنه «الشخص الذي يقرر الاستثناء». من خلال منطق قانون مكافحة التمرد، تضع الولايات المتحدة نفسها في موقع صاحب السيادة على النظام العالمي: يمكنها أن تقرر أي البلدان في حالة «طبيعية» وبالتالي تخضع لقواعد القانون الدولي التقليدي، وأي البلدان في حالة «استثنائية» وبالتالي يمكن معاملتها كمنظمات متمردة.
مكافحة تمرّد لا عدوان، وإنفاذ قانون لا حرب
بمجرد أن تصنف الولايات المتحدة دولة ما على أنها «دولة مارقة» أو «نظام إجرامي»، فإن جميع الإجراءات المتخذة ضد تلك الدولة -سواء كانت ضربات عسكرية أو حصار اقتصادي أو ملاحقة قضائية- تُعفى تلقائيًا من قيود القانون الدولي، لأن هذه الإجراءات تُعاد تعريفها على أنها «إنفاذ القانون» بدلًا من «حرب»، و«مكافحة تمرد» بدلًا من «عدوان».
أكثر مظاهر هذا المنطق القانوني تطرفًا هو استخدام الولايات المتحدة المبتكر لمفهوم «المقاتل العدو». في قوانين الحرب التقليدية، يكون المقاتلون الأسرى إما أسرى حرب وبالتالي محميين بموجب اتفاقيات جنيف، أو مجرمين وبالتالي محميين بموجب قانون الإجراءات الجنائية. لكن الولايات المتحدة ابتكرت فئة «المقاتلين الأعداء» كفئة ثالثة في الحرب على الإرهاب، لا يتمتعون بمعاملة أسرى الحرب ولا بحقوق المتهمين الجنائيين، ويمكن احتجازهم إلى أجل غير مسمى دون محاكمة. الأساس القانوني لهذا المفهوم هو وصف الحرب على الإرهاب على أنها حالة هجينة: فهي حرب وبالتالي تسمح باستخدام القوة المميتة والاحتجاز لفترات طويلة، وهي إنفاذ للقانون وبالتالي لا تخضع لقيود قوانين الحرب المرتبطة بمعاملة الأسرى. تتبع قضية مادورو نفس المنطق: مادورو ليس رئيس دولة محاربة وبالتالي لا يتمتع بالحصانة في زمن الحرب، ولا مواطن أجنبي عادي وبالتالي لا تحميه حصانة بلاده السيادية، بل هو «زعيم منظمة إجرامية» يمكن ملاحقته عالميًا مثل بن لادن أو البغدادي.
من منظور تاريخي أكثر شمولًا، يمثل النظام القانوني الأمريكي نموذجًا جديدًا من نماذج الحكم الإمبراطوري. حافظت الإمبراطوريات التقليدية على هيمنتها من خلال الاحتلال المباشر للأراضي والحكم الاستعماري، بينما تحقق الإمبراطورية الأمريكية الحكم العالمي من خلال الهيمنة في الخطاب القانوني.
يعتمد الحفاظ على هذا النظام على خيال قانوني رئيسي هو وجود «مجتمع دولي» يتجاوز السيادة الوطنية، مع الولايات المتحدة كمتحدث باسم إرادة هذا «المجتمع الدولي». في الخطاب القانوني الأمريكي، لا تعتبر إدانة مادورو إجراءً أحاديًا من جانب الولايات المتحدة، بل إجراءً جماعيًا من جانب «المجتمع الدولي» لمكافحة «الجريمة العابرة للحدود». وتسعى هذه الاستراتيجية الخطابية إلى تصوير المصالح الخاصة للولايات المتحدة على أنها مصالح عالمية، وإجراءاتها الأحادية على أنها تعاون متعدد الأطراف. لكن المشكلة هي أن ما يسمى بـ«المجتمع الدولي» لا يمتلك إرادة موحدة، بل هو مجرد نظام فوضوي يتألف من دول ذات قوى متفاوتة للغاية. والسبب في أن الولايات المتحدة يمكنها التحدث باسم «المجتمع الدولي» ليس لأنها حصلت على تفويض من دول أخرى، بل لمجرد أنها تمتلك قوة عسكرية واقتصادية ساحقة. هذه الهيمنة القانونية القائمة على القوة تتعارض بشكل أساسي مع مبدأ المساواة في السيادة في نظام ويستفاليا.
في قوانين الحرب التقليدية، يكون المقاتلون الأسرى إما أسرى حرب وبالتالي محميين بموجب اتفاقيات جنيف، أو مجرمين وبالتالي محميين بموجب قانون الإجراءات الجنائية. لكن الولايات المتحدة ابتكرت فئة «المقاتلين الأعداء» كفئة ثالثة في الحرب على الإرهاب، لا يتمتعون بمعاملة أسرى الحرب ولا بحقوق المتهمين الجنائيين، ويمكن احتجازهم إلى أجل غير مسمى دون محاكمة.
يكمن التناقض الأعمق في ترويج الولايات المتحدة لـ«سيادة القانون» و«الديمقراطية» عالميًا من جهة، بينما تمارس أكثر أشكال «القوة تخلق الحق» وضوحًا على المستوى الدولي من جهة أخرى. تطالب الولايات المتحدة الدول الأخرى باحترام استقلال القضاء، ومراعاة العدالة الإجرائية، وقبول قيود القانون الدولي، ولكنها تستطيع بنفسها أن تقرر أي قواعد القانون الدولي تنطبق عليها، ويمكنها أن ترفض الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويمكنها أن تسمح للرئيس من خلال قانون حماية أفراد القوات المسلحة الأمريكية باستخدام «جميع الوسائل اللازمة» لإنقاذ أي أمريكي محتجز من قبل محكمة دولية. يتجلى هذا المعيار المزدوج بشكل خاص في قضية مادورو: تطالب الولايات المتحدة فنزويلا بالخضوع لاختصاص المحاكم الأمريكية، لكنها لن تقبل أبداً اختصاص أي محكمة دولية على الرئيس الأمريكي أو كبار المسؤولين. يكشف هذا التباين عن جوهر الإمبريالية القانونية الأمريكية: لا يُستخدم القانون لتقييد الأقوياء، بل هو أداة يستخدمها الأقوياء لتقييد الضعفاء.
من وجهة نظر فنزويلا، تمثل قضية مادورو انهيارًا كاملًا لمبدأ السيادة. إذا كان من الممكن أن يكون رئيس دولة ما مطلوبًا عالميًا بسبب لائحة اتهام صادرة عن محكمة محلية أمريكية، فما معنى السيادة؟ إذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تقرر من جانب واحد أي حكومة شرعية وأي حكومة يجب الإطاحة بها، فما هي القوة الملزمة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة بشأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول العالم؟ إذا كان بإمكان الولاية القضائية الأمريكية أن تمتد بلا حدود إلى أي مكان في العالم، فكيف يمكن للدول الأخرى الحفاظ على نظامها القانوني؟ هذه الأسئلة لا تهم فنزويلا وحدها، بل جميع الدول التي لا ترغب في الخضوع الكامل لإرادة الولايات المتحدة. اليوم، يمكن للولايات المتحدة أن تتهم مادورو بـ«الاتجار بالمخدرات»، وغدًا يمكنها أن تتهم قادة دول أخرى بـ«انتهاكات حقوق الإنسان»، وبعد غد يمكنها أن تشن «عمليات إنفاذ القانون» ضد أي نظام لا يعجبها بذريعة «تهديد أمن الولايات المتحدة».
لا يكمن خطر هذه الحرب القانونية في انتهاكها لسيادة الدول فحسب، بل في تقويضها لأساس النظام القانوني الدولي. يعتمد بقاء القانون الدولي على الاعتراف المتبادل بين الدول واحترامها للقواعد الأساسية، وأهم هذه القواعد الأساسية هي المساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها. عندما تتجاهل أقوى دولة في العالم هذه القواعد علنًا وتبرر انتهاكاتها من خلال أساليب قانونية، فما الداعي الذي يدفع الدول الأخرى إلى الاستمرار في الالتزام بهذه القواعد؟
إن تصرفات أمريكا تشجع في الواقع جميع الدول القادرة على أن تحذو حذوها: هل يمكن للصين أن تصدر مذكرة توقيف عالمية بحق زعيم تايوان مستندة إلى «قانون مكافحة الانفصال»؟ هل يمكن لروسيا أن تباشر إجراءات قضائية ضد رئيس أوكرانيا مستشهدة بمبدأ «حماية مواطنيها»؟ إذا قامت كل قوة كبرى بتوسيع نطاق اختصاص قوانينها المحلية على الصعيد العالمي مثل الولايات المتحدة، فسوف يقع المجتمع الدولي في حرب قانونية شاملة، ولن تكون النتيجة النهائية سوى عودة قانون الغاب.
لذلك، فإن قضية مادورو ليست مجرد حدث قانوني محدد، بل هي أيضًا نقطة تحول رمزية، فهي تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تخلت تمامًا عن جهودها للحفاظ على النظام الدولي من خلال الآليات المتعددة الأطراف، وبدلًا من ذلك، تحولت إلى الاعتماد على الهيمنة القانونية الأحادية لتعزيز استراتيجيتها العالمية. يكمن جذر هذا التحول في تراجع القوة النسبية للولايات المتحدة واتجاه النظام الدولي نحو التعددية القطبية. عندما تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة بشكل متزايد عن الحصول على تفويض للعمل من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو آليات متعددة الأطراف أخرى، فإنها تختار تجاوز هذه الآليات وتحقيق أهدافها الاستراتيجية مباشرة من خلال نظامها القانوني الخاص. قد تكون هذه الاستراتيجية فعالة على المدى القصير، ولكنها على المدى الطويل ستسرع من تفكك النظام القانوني الدولي وتفتيت الحوكمة العالمية. وعندما تدرك المزيد من البلدان أن القانون الدولي لا يمكنه حمايتها من انتهاكات القوى العظمى، فإنها لا تستطيع سوى السعي إلى الحفاظ على نفسها من خلال تطوير قوتها العسكرية، أو إقامة تحالفات حصرية، أو شن ضربات وقائية للحفاظ على أمنها، وهو بالضبط الخيار الذي اتخذته الدول الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى، والسبب المباشر للصراع الكارثي.
-
الهوامش
[1] ينص التعديل الرابع في الدستور الأمريكي على حق الناس في الأمان على أنفسهم ومنازلهم وأوراقهم وممتلكاتهم من«التفتيش والمصادرة غير المعقولة».



