أزمة تصدير النفط العراقي: غياب الأسطول الوطني يدفع بغداد نحو بدائل برية عبر سورية
بغداد / متابعة المدى
تتصاعد أزمة تصدير النفط العراقي في ظل اعتماد بغداد شبه الكامل على ناقلات أجنبية وصيغ بيع تُحمّل المشتري مسؤولية النقل، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تنويع منافذ التصدير عبر تنشيط التعاون مع دمشق وفتح مسار بري نحو ميناء بانياس على البحر المتوسط، إلى جانب تنسيق أمني واقتصادي متواصل بين البلدين.
مرور مشروط عبر هرمز
وأكد الناطق الرسمي السابق باسم منظمة أوبك حسن حافظ، اليوم الثلاثاء 7 نيسان 2026، أن التصريحات الإيرانية الأخيرة بشأن السماح للسفن العراقية بالمرور عبر مضيق هرمز وإعفائها من القيود تمثل "خطوة مهمة من حيث الشكل"، مشيراً إلى أن أولى السفن العراقية المحمّلة بالنفط والمتجهة إلى ماليزيا حصلت على إذن بالعبور.
غير أن حافظ شدّد، في حديث تابعته (المدى)، على أن هذه الإجراءات لا تشكل حلاً جذرياً لأزمة التصدير، بل تبقى محدودة ومؤقتة، موضحاً أن "العراق لا يمتلك أسطولاً حقيقياً من ناقلات النفط، وإنما يعتمد على سفن صغيرة مخصصة لنقل المنتجات النفطية".
وبيّن أن نظام التصدير العراقي يقوم أساساً على صيغة "فوب" في موانئ البصرة، إذ يُطرح النفط ويُباع على رصيف الميناء، فيما يتولى المشتري التعاقد مع شركات الشحن وتأمين الناقلات لنقله إلى وجهاته، وغالباً نحو الأسواق الآسيوية. وأضاف أن صادرات العراق تُدار عبر عقود ثابتة تمتد عادة بين ستة أشهر وعام كامل، ما يعني أن خطط الشحن محددة مسبقاً، وأن الناقلات المستخدمة ترفع في الغالب أعلام دول أجنبية، وهو ما يعرّضها لمخاطر كبيرة في ظل التوترات الإقليمية ما لم تكن مغطاة باتفاقات أو ضمانات رسمية.
وأكد حافظ أن "العراق بحاجة إلى اتفاقات مباشرة مع إيران لضمان مرور جميع السفن التي تنقل نفطه، حتى وإن لم تكن عراقية، إذ إن معظم هذه السفن تدار بواسطة شركات شحن دولية"، مشدداً على أن حل الأزمة "يحتاج إلى معالجة شاملة تبدأ بإعادة فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن، وتنتهي بإنهاء الحرب، لضمان استقرار تدفقات الطاقة عالمياً".
80 ناقلة عملاقة كانت ممكنة
وفي السياق ذاته، أشار مرصد "إيكو عراق" إلى أن النفقات الاستثمارية لوزارة النفط العراقية خلال عام واحد كانت كافية لشراء نحو 80 ناقلة نفط عملاقة، مؤكداً أن الحكومات السابقة لم تستثمر بالشكل الكافي في هذا القطاع الاستراتيجي.
وأوضح المرصد، في بيان تلقته (المدى)، أن "النفقات الاستثمارية لوزارة النفط في عام 2025 بلغت نحو 12 تريليوناً و873 مليار دينار، أي ما يعادل 9.9 مليارات دولار، وهو ما يكفي لشراء نحو 80 ناقلة نفط عملاقة من نوع VLCC، بسعر يبلغ نحو 110 ملايين دولار للواحدة". وأضاف البيان أن هناك فئات عدة من ناقلات النفط تختلف في الأحجام، تشمل ULCC العملاقة جداً، وVLCC العملاقة، وSuezmax المتوسطة الحجم، إضافة إلى Aframax وPanamax وMR وHandysize الصغيرة.
ولفت البيان إلى أن حجم الإنفاق يثير تساؤلات حول أولويات الدولة، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية المتزايدة وحاجة قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه والصحة إلى دعم أكبر، مبيناً أن الاستثمار في أسطول نقل نفطي ضخم كان كفيلاً بتعزيز قدرة العراق على تأمين صادراته وزيادة إيراداته دون الاعتماد على شركاء خارجيين.
تنسيق عراقي - سوري ومسار بانياس
وعلى صعيد متصل، كشف مصدر في مستشارية الأمن القومي العراقي عن تنسيق متواصل بين بغداد ودمشق في الملفات الأمنية والاقتصادية، لاسيما ما يتعلق بهجمات الفصائل المتكررة على مواقع داخل الأراضي السورية خلال الأسبوعين الأخيرين، والتي تستهدف مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
وأوضح المصدر أن هذا التنسيق يعكس رغبة مشتركة في تعزيز العلاقات بعد سنوات من التباعد، مبيّناً أن "إغلاق ملف مخيم الهول، ونقل المعتقلين التابعين لتنظيم داعش من سجون قوات سورية الديمقراطية، إضافة إلى نشر قوات والتنسيق على طول الحدود، يمثل جزءاً من هذا التعاون المستمر". وأضاف أن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتبع "سياسة الانفتاح والتعاون تجاه دمشق" لتعزيز المصالح المشتركة.
وأكد المصدر أن لجنة تنسيق مشتركة بين الحكومتين باشرت أعمالها فعلياً، وتضم مستشارين ومسؤولين من الطرفين في بغداد ودمشق، بهدف تبادل المعلومات الأمنية والتنسيق في شؤون الحدود الممتدة لأكثر من 620 كيلومتراً، فضلاً عن وضع سياسات مشتركة لتحسين التعاون الاقتصادي.
وفي السياق ذاته، أوضح مسؤول في وزارة الخارجية العراقية، فضّل عدم الكشف عن هويته، أن فتح مسار لتصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس على البحر المتوسط يُعدّ خطوة تاريخية، إذ لم يُسجَّل مثل هذا التعاون النفطي منذ نحو أربعة عقود، بعد توقف العلاقات بين بغداد ونظام حافظ الأسد لأسباب سياسية، مبيّناً أن المبادرة تهدف إلى دعم إيرادات الخزينة العراقية وتقليل آثار غلق مضيق هرمز على الصادرات.
وكانت وزارة النفط العراقية قد أعلنت الخميس الماضي أن التصدير يجري حالياً عبر أسطول من الصهاريج لنقل النفط براً إلى ميناء بانياس، بالتنسيق مع الجانب السوري لضمان وصول الكميات بشكل آمن إلى منافذ التصدير، مؤكدة أن العمليات ستكون تصاعدية لزيادة حجم الصادرات.
منفذ الوليد ورؤى الخبراء
وافتتح العراق وسورية، الجمعة الماضية، منفذ الوليد الحدودي الذي يربط محافظة الأنبار بمدينة البوكمال السورية، تخصيصاً لتسهيل عمليات النقل والتبادل التجاري. وأكد بيان مشترك للجانبين خلال حفل الافتتاح، الذي حضره رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية قتيبة بدوي، ورئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية عمر الوائلي، أن المنفذ سيعزز انسيابية عبور البضائع ومصادر الطاقة، وأن التنسيق سيستمر لتطوير آليات العمل وتذليل العقبات بما يدعم التكامل الاقتصادي الإقليمي ويؤكد دور سورية ممراً رئيسياً لحركة الترانزيت.
من جانبه، رأى الخبير السياسي العراقي أحمد النعيمي أن الخطوات الأخيرة تشير إلى أن العراق وسورية "ليس أمامهما سوى التعاون"، مبيّناً أن التنسيق الأمني الذي بدأ عبر وساطة التحالف الدولي بقيادة واشنطن أصبح الآن مباشراً بين الطرفين، بما يمهّد لتعاون أوسع على صعيد الملفات الأمنية والاقتصادية.
The post أزمة تصدير النفط العراقي: غياب الأسطول الوطني يدفع بغداد نحو بدائل برية عبر سورية appeared first on جريدة المدى.




