لكن ما ينطبق على النظام الإيراني قبل 28 فبراير/شباط لا ينطبق عليه تماما بعد هذا التاريخ، فهذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها طهران هجوما عسكريا أميركيا ضدها، بعدما اقتصرت المواجهة بين الجانبين طيلة 47 سنة على العقوبات الاقتصادية من طرف الولايات المتحدة والرسائل النارية من قبل إيران ووكلائها، ما خلا اغتيال واشنطن لقاسم سليماني مطلع عام 2020 وتوجيهها ضربة لمنشآت إيران النووية في نهاية حرب الـ12 يوما الإسرائيلية ضد إيران في يونيو/حزيران الماضي. كما أن تاريخ "العلاقات" بين واشنطن وطهران لم يكن كله سجالا ومناكفة وضغوطا متبادلة، بل شهد الكثير من محطات التعاون و"التواطؤ"، من أفغنستان مع بدء "الحرب ضد الإرهاب" عام 2001، إلى العراق عام 2003 حيث أدى إسقاط نظام صدام حسين إلى انفلاش النفوذ الإيراني في المنطقة.
بيد أن هذه الحرب هي أخطر التحديات التي واجهتها "الجمهورية الإسلامية" عبر تاريخها الطويل، بل إنه التحدي المصيري الوحيد الذي خاضته حتى الآن، إذ إن مصير النظام نفسه قيد الاختبار هذه المرة، بينما كانت الحرب مع العراق (1980-1988) دافعا رئيسا لعسكرة النظام الإيراني الوليد و"تثويره"، وهو الذي لم يكن قد مر أكثر من عام على تأسيسه عندما بدأت تلك الحرب والتي اضطر "المرشد" المؤسس إلى تجرع "كأس السم" لإيقافها. وهو ما عدّ التنازل الأول للنظام الإيراني، تلاه تنازل ثان في العام 2015 عند توقيع الاتفاق النووي في عهد الرئيس باراك أوباما، لكنهما تنازلان لم يمسّا جوهر النظام كنظام ممانع للولايات المتحدة وإسرائيل، بل على العكس تماما فإن كلا التنازلين أطلقا ديناميات إيجابية للنظام، المرة الأولى مع الارتداد إلى الداخل والبدء ببناء القدرات العسكرية، والمرة الثانية بتكثيف الانفلاش الإقليمي من خلال إغداق الأموال المحصلة من الاتفاق النووي على إمبراطورية الميليشيات من العراق مرورا بسوريا فلبنان واليمن.













