أما إيران المعاصرة، فلا تملك ما يقابل هذة السلطة الحاسمة بشكل فعلي. فمن حيث الشكل، يبقى "المرشد الأعلى" على قمة الهرم السياسي. لكن الجمهورية الإسلامية، في الواقع، أخذت تفرغ من مضمونها تدريجيا، وابتعدت عن أي تصور جاد لولاية الفقيه، لتؤول إلى نظام بريتوري بات فيه "الحرس الثوري" مركز الثقل الحقيقي. وإذا كانت سلطة "المرشد الأعلى" نفسها تقوم على "الحرس"، وتتحرك من خلاله، ويتحدد معناها السياسي أكثر فأكثر عبره، فمن الجهة التي تملك أن تأمره بالتوقف؟ ففي اليابان، ظل الإمبراطور قادرا على كبح إرادة المؤسسة العسكرية وتجاوزها. أما في إيران، فلم يعد "الحرس الثوري" مجرد أداة يمكن تجاوزها، بل صار الإطار الذي تُتخذ داخله قرارات من هذا النوع.
المفارقة المريرة في اغتيال علي خامنئي
ثمة، فوق ذلك، مفارقة قاسية في قلب الحرب الراهنة. فإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد سعتا إلى اغتيال علي خامنئي أملا في إسقاط رأس الجمهورية الإسلامية، فقد تكونان، في المقابل، قد دفعتا نحو استكمال ديكتاتورية عسكرية تتمحور حول "الحرس الثوري". فما دام "المرشد الأعلى" حيا، ومهما تراجعت مكانته، ظل النظام قادرا، في الحد الأدنى، على الظهور بمظهر كيان يستند إلى شرعية دينية. أما إذا غابت هذه الشخصية، فلن يبقى إلا نظام بريتوري أشد انكشافا، تنفرد فيه المؤسسة العسكرية بالهيمنة فيما يواصل الغطاء الديني تآكله.

وبهذا المعنى، لم يقتصر أثر قتل علي خامنئي على إضعاف النظام فحسب، بل كشف أيضا عن بنيته الفعلية. فقد أزال أحد آخر الرموز التي كانت توحي بوجود سلطة فقهية تعلو "الحرس"، ومهد الطريق لترسيخ هيمنة "الحرس الثوري" على الدولة على نحو أكثر مباشرة، سواء عبر توجيه عملية الخلافة، أو توظيف الرمزية السلالية، أو فرض التفوق العسكري الصريح. وبذلك، فإن الحملة التي استهدفت في ظاهرها تقويض النظام ربما ساعدت، في النهاية، على استكمال تحوله من جمهورية تستمد شرعيتها من رجال الدين إلى ما يقترب من ديكتاتورية عسكرية صريحة.
أيديولوجيا "الحرس الثوري" أشد شمولية
يتمثل الفارق الكبير الثاني في البعد الأيديولوجي. فقد قامت اليابان قبل الحرب على أسطورة دولة راسخة، لكن لا ينبغي الافتراض أن القارئ البريطاني سيستوعب المفردات السياسية اليابانية من دون شرح. فمفهوم الكوكوتاي (Kokutai)، الذي يترجم عادة إلى "الكيان الوطني" أو "النظام الوطني،" لم يكن مجرد صيغة دستورية، بل كان تصورا شبه مقدس لليابان باعتبارها دولة إمبراطورية عضوية يتمحور وجودها حول الإمبراطور، وتقدَّم بوصفها كيانا تاريخيا فريدا يقوم على وحدة داخلية لا مكان فيها للانقسام. وفي زمن الحرب، بات هذا المفهوم يعني الحفاظ على النظام الإمبراطوري بوصفه قيمة حضارية مطلقة.
وبالمثل، كان مفهوم "غيوكوساي" (Gyokusai) الذي يعني حرفيا "التحطم كالجوهرة" تعبيرا عن الفناء المشرّف في مواجهة الاستسلام. فقد عبر عن خطاب يمجد الموت الجماعي اتقاء للمهانة، وعن نزعة روحية تفضل الدمار على الخضوع، وهي النزعة التي مهدت لاحقا لثقافة "الكاميكازي" في صورتها الأشهر. ومع ذلك، فإن هذه الروحانية العسكرية ظلت، في إطار المقارنة، أقل رسوخا من حيث البناء العقائدي من الرؤية الشيعية الإسلاموية التي يتبناها "الحرس الثوري".












