إيران: هدوء بين عاصفتين
قبيل مطلع العام، مرت إيران بواحدة من أعنف الموجات الاحتجاجية التي شهدتها على مدى سنوات. فما بدأ كسلسلة من الإضرابات عن العمل بين أصحاب المحلات التجارية في طهران، احتجاجًا على الهبوط الحاد في سعر الريـال الإيراني أمام الدولار والتضخم الناتج عنه، تطور سريعًا على مدى الأسابيع التالية إلى سلسلة من المظاهرات الواسعة التي شهدت، بحسب السلطات وشهود عيان، نشاط جماعات مسلحة استهدفت قوات الأمن والمتظاهرين سويًا، ما أسفر في المحصلة عن مقتل 3117 شخصًا، 2427 منهم من قوات الأمن والمدنيين بحسب المصادر الرسمية، وسط انخراط إعلامي أمريكي بارز بالمظاهرات، وصل إلى حد تعهد ترامب بإمداد المتظاهرين بـ«المساعدة».
وبينما خمدت المظاهرات في الأيام الماضية، بالتزامن مع قطع السلطات لشبكة الإنترنت وشنها حملة اعتقالات واسعة، تصاعد خطر آخر مع اكتمال الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة، منذرًا باقتراب شن الولايات المتحدة و«إسرائيل» هجومًا جديدًا على إيران، ما ترك المنطقة ككل في حالة ترقب وقلق مستمرة.
للغوص في خلفيات المظاهرات الأخيرة وفهم تعقيدات المشهد في إيران في ظل هذه التطورات والتهديدات بالحرب، قابلنا من طهران الباحث والمؤرخ الإيراني نافيد زرين نعل، الحاصل على شهادة الدكتوراه من قسم دراسات الشرق الأوسط وجنوب آسيا وإفريقيا في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، قبل أن يكمل دراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة طهران. يعمل زرين نعل حاليًا أستاذًا للتاريخ في جامعة لاهور للعلوم الإدارية في باكستان، كما يستضيف برنامجًا تحليليًا بعنوان «أرشيف المستعمرة».
حبر: في السنوات الماضية، شهدت إيران عدة موجات من الاحتجاجات الجماهيرية، بدءًا من عام 2009 إلى 2017، ثم 2019، ثم 2022. ما الفرق بين الموجة الأخيرة من الاحتجاجات والموجات السابقة من حيث أسباب اندلاعها ومطالبها ومدى تنظيمها؟
نافيد زرين نعل: هذا صحيح. عام 2009، ظهرت الحركة الخضراء على إثر الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها بين مير حسين موسوي وأحمدي نجاد. ثم جاءت احتجاجات 2017-2018 إثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية وخاصة البيض، ثم احتجاجات عام 2019 ضد رفع أسعار البنزين، وقد تم التراجع عن هذا القرار في النهاية بسبب الاحتجاجات. ثم كانت هناك حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022 المناهضة لإلزامية الحجاب. ثم الاحتجاجات الحالية، التي خمدت الآن، على خلفية التضخم. والفرق الأساسي هو أن الاحتجاجات السابقة لم تشهد انخراطًا مباشرًا من قبل أجهزة الاستخبارات الأجنبية.
في الحالة الأخيرة، على غرار الحالات الأخرى، بدأت الاحتجاجات بشكل عفوي، حين أضرب بعض أصحاب المتاجر في طهران عن العمل وأغلقوا متاجرهم احتجاجًا على التضخم. فالتضخم في إيران جنوني، إذ يبلغ حوالي 30 إلى 40% سنويًا، وأحيانًا تتضاعف الأسعار مرتين أو ثلاث مرات في السنة. بالتالي، بدأت الاحتجاجات ردًا على ذلك بشكل عفوي صباح يوم 29 كانون الأول من بازار طهران، ثم توسعت لتنتشر على امتداد البلاد. وحتى السابع من كانون الثاني كانت الاحتجاجات سلمية إلى حد كبير، كما أن الشرطة لم تستخدم القوة بشكل منهجي ضد المتظاهرين، على حد علمي.
لكن بحلول الثامن من كانون الثاني، بدا أن «إسرائيل» والولايات المتحدة قد تدخلتا بشكل مباشر، هو ما كانتا تخططان له منذ فترة، وأدخلتا جماعات مسلحة بين المتظاهرين لإثارة الفوضى. وهناك أدلة تظهر أن بعضهم أطلق النار حتى على المتظاهرين، فالأسلحة التي استخدموها كانت تحتوي رصاصات لا تملكها قوات الأمن الإيرانية، وبعضها كان، حسب الزعم الرسمي، إسرائيليًا وسوفيتيًا. لذا فإن ادعاء السلطات الإيرانية هو أن هذه الجماعات المسلحة كانت منظمة وممولة ومسلحة من الخارج.
إضافة للجماعات المسلحة، تحولت بعض العناصر العفوية إلى أعمال الشغب. فالعنف لم يكن فقط من طرف المجموعات المسلحة، بل أيضًا من بعض المتظاهرين العفويين، الذين كانوا غاضبين من الوضع الاقتصادي، وشاركوا في أعمال الشغب وأشعلوا النار في الممتلكات العامة. ولكن بعد 12 كانون الثاني، بدأت الاحتجاجات وأعمال الشغب في التلاشي، وبدأت السلطات الإيرانية في اعتقال بعض الجماعات المسلحة. والآن، الوضع هادئ تمامًا.
كان هناك أيضًا شبه اعتراف بالتدخل، حيث صدرت تصريحات علنية من قبل مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين حول وجود عناصر أجنبية تعمل على الأرض في إيران في هذه الاحتجاجات. كيف أثر هذا على الطريقة التي سارت بها الاحتجاجات في الشارع وعلى رد فعل الحكومة الإيرانية باعتقادك؟
نعم، أعتقد أن هذا مؤشر قوي آخر على تورط الولايات المتحدة و«إسرائيل» بشكل مباشر في الاحتجاجات. كان هناك وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو، الذي غرد على منصة أكس بأن هناك عميلًا للموساد وراء كل متظاهر إيراني. كما كانت هناك تصريحات على القناة 14 الإسرائيلية بأن «إسرائيل» منخرطة بشكل مباشر في أعمال الشغب والاحتجاجات.
لكن حتى لو كانوا يخادعون، أو يحاولون المبالغة في تقدير دورهم والقول إننا موجودون في كل مكان -وهم يفعلون ذلك أحيانًا – فهناك أدلة مادية على التورط، وهناك أيضًا تاريخ يشهد على ذلك. إذا نظرنا إلى انقلاب عام 1953 الذي دبّره البريطانيون والأمريكيون ضد حكومة محمد مصدق، نجد أن هناك تقنيات مشابهة جدًا لما رأيناه في الاحتجاجات الأخيرة. على سبيل المثال، في الانقلاب على مصدق جرى توظيف رجال أقوياء ضخام مخيفي المظهر، مثل شعبان جعفري المعروف بـ«شعبان بيمُخ» أي شعبان المجنون أو عديم المخ، الذي انتهى به المطاف في كاليفورنيا بعد الثورة. وبالمثل، في الأسابيع الماضية، رأينا بعض الاحتجاجات يتقدمها فتوّات من هذا النوع، يلبسون اللون الأسود ويحملون المناجل.
لذا، هناك الاعترافات العلنية، وهناك الأدلة الجنائية، وهناك التاريخ الذي يشهد على التدخل الأجنبي. وهناك أيضًا حقيقة أنه ليس من السهل الحصول على سلاح في إيران. بالتالي إذا كانت بعض هذه الجماعات تحمل أسلحة كالبنادق، فإن السؤال هو كيف حصلوا عليها؟ ربما تم تهريبها بشكل طبيعي، لكنني أعتقد أنه من المرجح أن أجهزة الاستخبارات الأجنبية سهلت حصولهم عليها.
بالنسبة لتأثير ذلك على المظاهرات وعلى رد فعل الحكومة، هناك وجهة نظر في إيران مفادها أن الدولة دائمًا ما تبالغ في تقدير التدخل الأجنبي في الشؤون الإيرانية، وأنه إذا كان هناك تدخل أجنبي، فهو ضئيل. ولكن هناك أيضًا وجهة نظر أخرى أن هناك تدخلًا أجنبيًا كبيرًا، وأن الخارج لا يحترم السيادة الإيرانية ويهدف إلى زعزعة استقرار إيران. لذا، رأينا المظاهرات الواسعة التي حدثت في 12 كانون الثاني، ضد التدخل الأجنبي وضد أعمال الشغب.
بالتالي، هناك هذان المنظوران. والدولة بالطبع أقرب إلى المنظور الأخير، وهو أن هناك حربًا هجينة على إيران باستخدام تقنيات مختلفة مثل العقوبات، والتدخل المباشر في الاحتجاجات، والهجمات الإلكترونية وغيرها. لكن ذلك يمكن أن يصبح أيضًا أداة لقمع المعارضة المشروعة. فحين يريد البعض تدمير شخصية سياسية ما، يجري اتهامها بأنها عميلة أو مدعومة من الغرب، كما حصل مع وزير الخارجية الأسبق جواد ظريف. وأستطيع أن أرى الدولة الإيرانية تُفرِط في استخدام هذا الاتهام، لكن هذا لا يقلل من حقيقة أن الأمريكيين والإسرائيليين يتدخلون بالفعل في الاحتجاجات والشؤون الإيرانية لزعزعة استقرار البلاد.
من هي الفئات التي شاركت في المظاهرات أو أعمال الشغب؟ وما الذي تقوله مشاركتها عن التباينات في المجتمع الإيراني؟
بداية، ميّزت الدولة بين ثلاث فئات من المشاركين في المظاهرات، واستخدمت مصطلحات مختلفة لوصفهم: المتظاهرون العفويون (معترضين)، ومثيرو الشغب (اغتشاشيان)، والمسلحون المدعومون من الخارج الذين وصفتهم بالإرهابيين (تروریستها). وبحسب متابعتي لوسائل الإعلام الإيرانية، قبل الثامن من كانون الثاني، لم تكن السلطات الإيرانية تزعم أن أيًا من المتظاهرين مدعوم من أجهزة استخبارات أجنبية. لم يقولوا ذلك إلا بعد الثامن من كانون الثاني.
الكثير ممن وصفوا بمثيري الشغب كانوا مجرد شباب غاضبين من الوضع الاقتصادي، ومن انسداد الأفق أمامهم. فاليوم، من الصعب جدًا عليهم الزواج أو شراء منزل بسبب التضخم الهائل وارتفاع أسعار العقارات، وهذه تحديات حقيقية.
لكنني أعتقد أن العقلية الإيرانية تغيرت أيضًا. اليوم، أصبح لدى الناس توقعات استهلاكية مختلفة عن السابق، فهم يريدون منزلًا جميلًا، وأجهزة منزلية جيدة، وما إلى ذلك. وقد أصبح من الصعب على هؤلاء الشباب الإيرانيين، بمن فيهم أنا، شراء هذه الأشياء. وقد تسبب ذلك في غضب شديد لدرجة أن بعض المتظاهرين أحرقوا كل ما وجدوه أمامهم، وأصبحت لديهم عقلية أناركية مفادها أنهم يريدون أي شيء غير الوضع الحالي، ويريدون إسقاط النظام.
أما الجماعات المسلحة، فلا نعرف الكثير عنها حقيقةً. نشرت بعض أسماء المعتقلين لكنها لم توفر الكثير من التفاصيل. ما أستطيع قوله هو أنها أتت من مناطق مختلفة من البلاد، ولم تكن متركزة في العاصمة، بل إن أحداث العنف كانت أسوأ في بعض المحافظات، مثل محافظة إيلام ذات الغالبية الكردية، مما هي في طهران حيث أسكن.
عادة ما تُصور أي مظاهرات في إيران، خاصة في وسائل الإعلام الغربية، على أنها احتجاجات سياسية ضد النظام. ما مدى دقة ذلك برأيك؟ وأين تقع مطالب تغيير النظام ضمن الصورة الأوسع للاحتجاجات؟
في رواية وسائل الإعلام الغربية، التي تُردّدها الكثير من وسائل الإعلام العربية أيضًا، هناك تركيز مفرط على المسألة السياسية. ومفاد هذه الرواية هو أن الجميع يكرهون الدولة بسبب سياساتها الإسلامية أو بسبب افتقارها إلى حرية التعبير، لدرجة أنهم يريدون الإطاحة بها.
لكن باعتقادي، الناس في إيران لا يعطون الحقوق السياسية نفس الأولوية التي تعطيها إياها التقاليد الليبرالية في الغرب. فالمشكلة الأساسية هي مشكلة اقتصادية. حتى خلال حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، أعتقد أن الكثيرين انضموا إلى الاحتجاج ليس لأنهم أرادوا الخيار السياسي المتمثل في عدم ارتداء الحجاب، بل لأنهم كانوا يعانون من إحباط اقتصادي. فالحركة بدأت من قضية سياسية أو مدنية، لكنها توسعت بعد ذلك بسبب المظالم الاقتصادية. وفي الوضع الحالي، أعتقد أن التظلم الرئيسي يتعلق بالقضية الاقتصادية المتمثلة في التضخم وتكلفة المعيشة المرتفعة جدًا.
على مستوى المعارضة السياسية، يجب أن نميز بين الإيرانيين في الشتات وفي إيران نفسها. داخل إيران، هناك البعض ممن لديهم عقلية تريد الإطاحة بالحكومة والدولة بأي ثمن، وهم لا يمانعون حتى في الحصول على دعم من الأمريكيين أو الإسرائيليين للقيام بذلك، لكنني أعتقد أنهم أقلية. لكن في الشتات، خاصة في الولايات المتحدة، أعتقد أن هذا هو الشعور السائد لدى الأغلبية. فهم يريدون تغيير النظام بالقوة، ويصوتون لأشخاص مثل ترامب لأنهم يعتقدون أنه سيكون أشد صرامة تجاه إيران من شخص مثل بايدن، وأنه من الممكن تغيير النظام من خلال الضغط الأمريكي.
هناك أيضًا أصوات مختلفة داخل إيران. مثلًا، سمعت من شرفة منزلي شعارات مناهضة للمرشد وولاية الفقيه، لكن رفع هذا الشعار بحد ذاته لا يعني بالضرورة أنك ترغب في إسقاط النظام، فقد ترغب بإلغاء منصب المرشد مع الإبقاء على الحكم والهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية.
بالتالي، هناك أقلية تريد تغيير النظام، جزئيًا لأنهم متأثرون بوسائل الإعلام الغربية التي تستخدم اللغة الفارسية مثل إيران الدولية وبي بي سي الفارسية. لكن هناك آخرون يريدون فقط إلغاء منصب المرشد، مع الإبقاء على الأمور الأخرى كما هي. وهناك آخرون يريدون الإصلاح، وهم في الواقع مؤيدون للمرشد بشدة، ويعتقدون أنه ثوري حقيقي يمكنه تحقيق التقدم لإيران والحفاظ على سيادتها. لكنهم يواجهون أزمة اقتصادية ويعتقدون أن المرشد لا يمارس رقابة كافية على الاقتصاد، وأن ذلك يخلق نوعًا من اللامساواة.
ففي الوضع القائم، هناك داخل الحرس الثوري والمؤسسة الحاكمة فئة لا تمانع في التطبيع مع الغرب. وهؤلاء أثرياء ومستهلكون للغاية، لأنهم يحصلون على الكثير من العقود الحكومية الجيدة. وهم يريدون توسيع ثروتهم من خلال جعل إيران دولة عادية لها علاقات جيدة مع الغرب، لأنهم يعتقدون أن ذلك سيجعلهم أكثر ثراءً. بالتالي، هناك فئة من المعارضة تستهدف هؤلاء، ولا تعارض زعيمها السياسي بقدر ما تعارض الطبقة الأوليغارشية الميالة للغرب. ومن المفارقات أن هذه الطبقة تعمل وتؤدي دورها داخل الحكومة الإيرانية.
لكن، علينا أن نتذكر أن الإيرانيين قاموا بثورة شعبية، خرجت منها هذه الدولة والحكومة الإيرانية. لذلك، فهي لا تزال تملك قدرًا لا يستهان به من الشرعية. ورغم المظالم الاقتصادية، فقد استمرت الدولة لمدة 47 عامًا، حتى في ظل العقوبات والضغوط الأمريكية الشديدة، لأنها تتمتع بدرجة معينة من الشعبية المرتبطة بتاريخها. إذا نظرنا مثلًا إلى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فإن سعيد جليلي، الذي كان المرشح المنافس للرئيس الحالي مسعود بزشكيان، كان أكثر تشددًا حتى من المرشد الأعلى في بعض القضايا الثقافية والدينية، ومع ذلك حصل على حوالي 14 مليون صوت. وهذا يعني أن هناك نوعًا من الشرعية الشعبية التي لا تزال موجودة وتسمح للدولة والحكومة بالاستمرار.
بالعودة إلى الوضع الاقتصادي، هناك شبه إجماع على أن الأزمة الاقتصادية مرتبطة بشكل كبير العقوبات، حتى أن بعض المسؤولين الأمريكيين يعترفون بأنهم تمكنوا من دفع الاقتصاد الإيراني إلى حافة الهاوية عبر العقوبات. لكن يوجد أيضًا شبه إجماع على أن هناك سوء إدارة وحالات فساد في إيران. كيف تفهم الأزمة الاقتصادية بين هذين العاملين، الداخلي والخارجي؟ وكيف يقرأ الإيرانيون مصاعبهم الاقتصادية بين هذين العاملين؟
هذا صحيح. العقوبات والفساد الداخلي هما سببان أساسيان للمظالم الاقتصادية، وأيضًا للتفاوتات الاقتصادية. لكن العقوبات بذاتها يمكن أن تؤدي أيضًا إلى الفساد، لأنها تخلق شبكات سرية وأسواق سوداء وتقلل من الشفافية، وهذا ما يخلق فرصة الثراء للبعض. وكما ذكرت، فقد ظهرت طبقة أوليغارشية صغيرة تستفيد بالفعل من العقوبات لأنها تنشط في الاستيراد والتعاملات التجارية السرية والأسواق السوداء وما إلى ذلك. لذا أعتقد أن العقوبات والفساد الداخلي مرتبطان بشكل لا جدال فيه، وكلاهما سببان حقيقيان للمشاكل الاقتصادية.
موقفي هو أنه إذا كنت خارج إيران، خاصة إذا كنت مقيمًا في الولايات المتحدة، فإن واجبك الأساسي هو انتقاد العقوبات والتركيز عليها. فالعقوبات تحدث بسبب هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وممارستها السلطة على السوق العالمية الموحدة التي نعيش فيها جميعًا. ونتيجةً لموقعها المهيمن، تستطيع الولايات المتحدة فرض هذه العقوبات على البلدان التي لا تتبع الدور المخصص لها في النظام السياسي والاقتصادي العالمي. وإيران تريد أن تكون دولة ذات سيادة لا تخضع لمطالب الولايات المتحدة، بالتالي تفرض عليها هذه العقوبات.
ولكن إذا كنت في إيران، أعتقد أنه من المفهوم أن تكون أكثر غضبًا إزاء الفساد الداخلي، لأنه شيء يمكنك التأثير عليه بشكل أكبر، ويمكنك السعي من أجل تغييره وإصلاحه. لذلك، أعتقد أن الإيرانيين داخل إيران أشد غضبًا على الفساد الداخلي من العقوبات، لأن العقوبات بالنسبة لهم شيء مجرد وغير ملموس لا يمكنهم رؤيته بسهولة، لكن يمكنهم أن يروا كيف يعيش جيرانهم، ويمكنهم رؤية سيارات بي إم دبليو التي يقودونها، ويتساءلون كيف يمكنهم امتلاك مثل هذه السيارات في ظل الصعوبات الاقتصادية الشديدة.
لكنني أود أيضًا أن أقول إنه منذ الاحتجاجات، كانت هناك محاولة من قبل الحكومة لمعالجة الفساد الداخلي. فالحكومة كانت تدعم أسعار الصرف، وإذا كنت تاجرًا، كان بإمكانك شراء سلع من الأسواق الدولية بسعر صرف أرخص بكثير، حيث تدعم الحكومة جزءًا كبيرًا من السعر [على أن يبيع هؤلاء التجار السلع التي يستوردونها بأسعار مخفضة في السوق الإيراني]. ولكن كثيرًا من هؤلاء الموردين كانوا يبيعون السلع داخل إيران بسعر الدولار في السوق السوداء، أي حوالي خمسة أضعاف السعر المدعوم، ويحققون أرباحًا كبيرة، بينما كان المستهلكون يتضررون.
ما فعلته الحكومة هو أنها ألغت دعم أسعار الصرف للتجار وأصحاب الأعمال، وحولت جميع الأموال التي تم توليدها نتيجة إلغاء هذا الدعم إلى مدفوعات شهرية للأشخاص الذين يحتاجونها.
لكن كيف يمكن أن تؤثر هذه الإجراءات الأخيرة على مستقبل العلاقة بين النظام والتجار أو البازاريين، بالنظر إلى أهمية هذه العلاقة تاريخيًا منذ الثورة؟ هل تعتقد أن هذه العلاقة أصبحت متوترة؟
هذا سؤال جيد. أعتقد أن ما قامت به حكومة بزشكيان كان أمرًا شجاعًا للغاية، لأن هناك، كما ذكرت، أثرياء ذوي نفوذ ورؤوس أموال كبيرة كانوا يستفيدون من الدعم السابق. لم نرَ بعد عواقب ذلك لأنها خطوة حديثة، لكنني أعتقد أنها يمكن أن تعرض العلاقة بين تلك الشرائح من الشعب والحكومة للخطر، وقد تسبب لها مشاكل في المستقبل.
لكنني أعتقد أنها تولد الكثير من الرضا الشعبي حاليًا، لأن الناس باتوا يحصلون وفق الآلية الجديدة على قسائم طعام ومدفوعات شهرية. كل شخص في إيران بات يحصل على قسيمة غذائية بقيمة 10 ملايين ريال شهريًا، أي حوالي سبعة دولارات. إنه ليس مبلغًا كبيرًا، لكنه ليس بسيطًا من حيث القيمة الشرائية. يمكنك أن تشتري به حوالي 30 بيضة، وعلبة كبيرة من الجبن، وبعض الزبدة والحليب، أي أنه يلبي احتياجات شخص واحد من الألبان لمدة أسبوعين تقريبًا. أما المدفوعات الشهرية فتذهب إلى الشرائح التسع أو الثماني الدنيا من أصل عشر شرائح من حيث الدخل. أي هناك شريحتان لا تحصلان عليها، لكن الشرائح الأخرى تحصل عليها جميعًا. ومجددًا، هي ليست بالكثير، لكنها تساعد.
بالتالي، نعم، أعتقد أن ذلك أضرّ بالعلاقة بين بعض الشرائح التجارية والدولة، ولكنه جعل عددًا أكبر من الناس راضين. وأعتقد أن هذا أحد الأمثلة على استجابة الدولة لمطالب المتظاهرين، وهو ما حدث بعد كثير من الموجات الاحتجاجية. فكما ذكرت، بعد مظاهرات 2019، تم التراجع عن رفع الدعم عن البنزين. كذلك، بعد مظاهرات عام 2022، توقفت الدولة عن فرض ارتداء الحجاب الإلزامي على الأرض، رغم أن القانون لم يتغير. الآن، عندما أخرج إلى الشوارع أرى كثيرًا من النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب. لذلك، فأنا أرى أن حركة «المرأة، الحياة، الحرية» كانت ناجحة، لأنها أولًا لم تؤد إلى زعزعة استقرار كبيرة، رغم محاولة الولايات المتحدة و«إسرائيل» التدخل، وفي الوقت نفسه أدت إلى إنهاء فرض الحجاب.
وفي الموجة الأخيرة، هناك بعض النجاح من حيث إلغاء دعم التجار وتحويله إلى قسائم غذائية ومدفوعات شهرية لبعض العائلات. لكن المشكلة هي أنه إذا استمر التضخم في الارتفاع ولم ترتفع المدفوعات الشهرية بما يتوافق معه، فستتجدد المشكلة. وحتى إذا ارتفعت المدفوعات الشهرية، فلا يزال هناك احتمال أن تعود الاحتجاجات لأنه، كما ذكرت، باستثناء قسائم الطعام التي تلبي بعض الاحتياجات الغذائية الرئيسية، فإن ما يحصل عليه الناس لا يزال غير كافٍ، خاصة إذا أرادوا الزواج أو احتاجوا شراء أجهزة منزلية، فهذه تكلف الكثير هنا.
من جهة أخرى، رغم المساعدات التي تقدمها الحكومة للناس، هناك مشكلة في التغطية الإعلامية. فما أراه في وسائل الإعلام الإيرانية لا يستجيب بشكل كبير للمتظاهرين. فهي تعترف بأن التضخم مشكلة رهيبة، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم تغطية أو نقاشًا شاملًا لبعض القضايا الاقتصادية والسياسية التي تواجهها إيران. إنها تغطية من جانب واحد، لذا فهي ليست مؤثرة للغاية. هناك أحيانًا برامج تحليلية جيدة ومفيدة، لكن بخلاف ذلك، فإن الكثير منها ليس دقيقًا. لذلك، فإن الكثير من الناس الغاضبين لن يكونوا راضين. وأعتقد أن هذا أحد المجالات التي تحتاج الدولة حقًا إلى أن تصبح أكثر استجابة فيها، فهي بحاجة إلى الاقتراب أكثر من المتظاهرين. لا يعني ذلك أن المتظاهرين محقون في كل شيء، لكن هناك حاجة لإقامة حوار أفضل بين الدولة والمتظاهرين من خلال الخطاب الإعلامي والعلاقات العامة.
إذا انتقلنا إلى المسألة الأكثر راهنية اليوم، شهدنا على مدى الأسابيع الماضية تهديدات أمريكية متصاعدة بهجوم محتمل، إضافة إلى التعزيزات العسكرية الكبيرة حول إيران. كيف تصف النقاش العام حول الهجوم المحتمل في إيران؟ وكيف تستعد إيران له؟
أعتقد أن الهجوم المشترك بين الولايات المتحدة و«إسرائيل» – وأي هجوم تقوم به إحداهما هو هجوم مشترك حتى لو لم تشارك الأخرى بشكل مباشر- بات احتمالًا عاليًا جدًا، خاصة مع التعزيزات العسكرية.
شخصيًا، منذ أن انقطعت عن الإنترنت، لم أعد أشعر بالقلق كما في السابق. فقبل قطع الإنترنت كنت أتلقى الأخبار بشكل مستمر وخاصة من وسائل الإعلام الغربية، وهي منخرطة في حرب نفسية حقيقية ضد الإيرانيين، وتريد إبراز القوة العسكرية الأمريكية وتركز على قدراتها. وعندما تقرأ هذه الأشياء بشكل مستمر، تشعر بالقلق الشديد. ولكن الآن بعد أن انقطعت عن ذلك، باتت لديّ ثقة أكبر وأصبحت أقل خوفًا قليلًا.
المثير للاهتمام هو أن الناس هنا هادئون جدًا. هم غاضبون إزاء التضخم، وهذا ما يتحدثون عنه دائمًا أينما ذهبوا؛ في سيارات الأجرة، مع العائلة، في المدرسة، لكنهم لا يتحدثون حقًا عن الهجوم الأمريكي، رغم أنهم عانوا قبل عام من حرب استمرت 12 يومًا، وكان ذلك صادمًا بشكل كبير، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين كانوا قريبين من المباني المدنية التي تعرضت للقصف. مع ذلك، فهم لا يشعرون بالذعر، ولا يخزنون المواد الغذائية مثلًا، ولا يتجهون نحو الملاجئ. إنهم هادئون جدًا، ولديهم بعض الثقة في قدرة إيران الدفاعية على ردع «إسرائيل» وإجبارها على التراجع، وحتى ردع الولايات المتحدة وإجبارها على التراجع. لذا، فالمزاج الإيراني هادئ وشجاع إلى حد ما، لكنهم ما زالوا مستعدين لمواجهة عسكرية.
الأمريكيون ليسوا مستعدين حقًا للتضحية بحياة جنودهم، وأعتقد أن هذا يمكن أن يكون رادعًا كبيرًا. إذا تمكنت إيران من استهداف الأفراد العسكريين الأمريكيين وقتلهم، فقد يتراجع الأمريكيون. كذلك الإسرائيليون إذا تعرضوا لقصف بالصواريخ الإيرانية الأكثر تقدمًا التي لم يتم استخدام بعضها بعد. لقد استثمرت إيران الكثير في مجال الهندسة، فلديها كليات جيدة ودربت مهندسين ورياضيين جيدين وأرسلت العديد من الطلاب إلى الخارج للدراسة، وقد صنع هؤلاء المهندسون صواريخ متطورة جيدة جدًا يمكنها استهداف «إسرائيل» ويمكن أن تشكل رادعًا كبيرًا.
في رأيي ورأي الكثيرين هنا، أفضل ما يمكن لإيران أن تفعله على سبيل الردع هو بناء قنبلة ذرية، وهو ما لا يبدو أنها تفعله حاليًا، على الأقل، بناءً على جميع تقارير الاستخبارات الأجنبية المتوفرة، إما لاعتبارات إسلامية وإنسانية كما يقول المرشد الأعلى، أو لأنهم غير قادرين على ذلك، أي لا يمتلكون الخبرة أو المعرفة التقنية اللازمة لصنعها. لا أعرف أيها هو السبب الفعلي. لكن في غياب القنبلة الذرية، يبقى البرنامج الصاروخي هو الرادع الأكبر.
على الصعيد السياسي، ما الذي تعتقد أن إيران يمكنها فعله للتعامل مع الوضع الحالي؟ هل المفاوضات ممكنة؟ وما الذي يمكن أن تحققه؟
بالنسبة لي، فإن مواصلة حكومة بزشكيان الحديث عن الانفتاح على المفاوضات مع الولايات المتحدة، خاصة على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، هو سذاجة، لأن لغة عدوك هي القوة؛ هو يخدعك ويتظاهر بأنه يريد التفاوض، ثم يقصفك. هذا ما حدث خلال حرب الـ12 يومًا، حين هوجمت إيران قبل يومين من الموعد المحدد للمفاوضات.
لذلك، لا أعتقد أن المفاوضات ممكنة في المستقبل القريب، وحتى لو حدثت، فستكون مجرد واجهة ولن يكون لها مضمون حقيقي. في الحقيقة، رأيي هو أنه لم يكن لها مضمون حقيقي أبدًا. فحتى في عام 2015 عندما أبرمنا الاتفاق النووي، كان الكونغرس الأمريكي لا يزال يفرض عقوبات على إيران، ولم يكن الأمريكيون يطبقون التزاماتهم بموجب الاتفاق. وحتى لو كانت هيلاري كلينتون قد فازت في انتخابات عام 2016، أعتقد أن الاتفاق النووي كان من الممكن أن يُبطل على أي حال، حتى وإن كان ترامب قد أبطله بسرعة وفعالية أكبر.
مجددًا، يمكننا تعلم الكثير بالعودة إلى التاريخ الاستعماري. في أمريكا الشمالية، أبرم الأمريكيون معاهدات مع السكان الأصليين، لكنهم دائمًا ما تراجعوا عن وعودهم. وبالمثل، رغم أن العالم بأسره شهد توقيع الاتفاق النووي، فالأمريكيون وقحون واستثنائيون في نظرتهم الجنونية للعالم لدرجة أنهم لم يترددوا في التراجع عن التزاماتهم. لذلك، لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة في التفاوض. وأعتقد أن إدارة الرئيس الراحل رئيسي فهمت ذلك. ربما يمكن التفاوض معهم في المستقبل البعيد، ولكن في المدى المنظور لا يبدو ذلك ممكنًا.
عطفًا على ذلك، كيف تفهم العلاقة بين إيران والولايات المتحدة على المدى البعيد؟ ماذا تريد إيران من الولايات المتحدة، وماذا تريد الولايات المتحدة من إيران؟
ما تريده الولايات المتحدة من إيران بسيط؛ تريد تحويل إيران إلى دولة فاشلة. لذا، لا أعتقد أن فكرة تغيير النظام صحيحة تمامًا، لأن تغيير النظام يعني إحضار حكومة صديقة أو عملية للولايات المتحدة، تنفذ أوامرها وتضمن عدم المساس بـ«إسرائيل»، وتسمح لها بفعل ما تريده. والشخصية التي تروج لها وسائل الإعلام لقيادة هذا النظام الجديد هي رضا بهلوي، الملقب بولي العهد، الذي يعيش حاليًا في المنفى في الولايات المتحدة.
لكنني لا أعتقد أن الولايات المتحدة تريد ذلك حقًا، بل تريد تحويل إيران إلى دولة فاشلة وممزقة. كان هناك مقال مؤخرًا على صحيفة وول ستريت جورنال يقول علنًا إن إيران ممزقة قد لا تكون أمرًا سيئًا. هم يريدون تقسيم إيران، أو إن لم يستطيعوا، يريدون تحويلها إلى دولة فاشلة يمكنهم قصفها متى شاءوا، مثلما يفعلون في لبنان وسوريا. والسبب الذي يجعلهم يريدون القيام بذلك هو أنهم يريدون أمنًا تامًا لـ«إسرائيل» وانعدامًا تامًا للأمن للآخرين. لا يمكن أن تتعايش «إسرائيل» قوية مع إيران قوية. قد تتعايش «إسرائيل» مع وجود دول أخرى مستقرة نسبيًا في المنطقة، لكن لأسباب جيوسياسية وتاريخية، لا يمكن أن تتعايش مع إيران قوية ومستقرة.
أما ما يريده الإيرانيون من الولايات المتحدة فهو ببساطة أن تتركهم وشأنهم. الإيرانيون ليسوا انعزاليين، فإيران تريد أن تكون دولة ذات سيادة تدير شؤونها الخاصة، وأن يكون لها دور وتأثير في المنطقة، لكنها في الأساس تشعر بالتهديد من وجود الولايات المتحدة و«إسرائيل» في المنطقة، لذلك تريد خروجهما منها.




