إيران بين “دولة المؤسسات” و”دولة الحرس”: تحوّل في مركز القرار خلال حرب الخليج
تشير التطورات الأخيرة إلى تحوّل عميق في طبيعة صنع القرار داخل إيران، حيث برز اللواء “أحمد وحيدي” وقادة من الحرس الثوري الإيراني كفاعلين مركزيين لا في إدارة الرد العسكري فحسب، بل أيضاً في توجيه الموقف التفاوضي لطهران خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع للحرب الجارية في الخليج، إذ يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج توازن نسبي بين المؤسسات السياسية والعسكرية إلى نموذج تتقدم فيه المؤسسة الأمنية-العسكرية لتصبح مركز الثقل الفعلي في القرار الاستراتيجي.
وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في التناقض الذي ظهر بين التصريحات الرسمية والخطوات الميدانية.
ففي الوقت الذي أعلن فيه وزير الخارجية “عباس عراقجي” أن مضيق هرمز مفتوح أمام الملاحة التجارية، سارعت وحدات بحرية تابعة للحرس الثوري إلى استهداف سفن تجارية والإعلان عملياً عن منع المرور، في خطوة تعكس أن القرار التنفيذي لم يعد يمر حصراً عبر القنوات الدبلوماسية.
هذا التباين لا يبدو نتيجة خلل عابر في التنسيق، بل يعكس ازدواجية متزايدة في بنية القرار، حيث تتجاور قنوات رسمية ذات طابع سياسي مع قنوات موازية تمتلك القدرة على الفعل والتأثير، ما يفضي في النهاية إلى ترجيح كفة المؤسسة التي تمتلك أدوات القوة على الأرض.
في هذا الإطار، يبدو أن الحرس الثوري لم يعد مجرد لاعب مؤثر ضمن منظومة الحكم، بل تحول إلى مركز قرار فعلي، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الأزمة مع الولايات المتحدة.
تشير المعطيات إلى أن الحرس فرض إشرافاً مباشراً على مسار المفاوضات، بما في ذلك تلك التي جرت في إسلام آباد، وسعى إلى إعادة صياغة شروط التفاوض بما يتوافق مع رؤيته القائمة على الربط بين الضغط العسكري والمكاسب السياسية.
هذا التحول ترافق مع تراجع ملحوظ لدور الشخصيات البراغماتية التي كانت تقود المسار التفاوضي في مراحل سابقة، ما يعكس إعادة ترتيب داخلية ترجح كفة التيار الأكثر تشدداً.
الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز تندرج بدورها ضمن هذه الاستراتيجية المركبة، إذ لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمثل أداة ضغط متعددة الوظائف.
فمن جهة، تسعى طهران إلى رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة عبر التأثير في أسعار النفط وحركة التجارة العالمية، ومن جهة ثانية تستخدم هذه العمليات كرسالة تفاوضية مفادها أن أي تشدد أمريكي سيقابله تصعيد ميداني مباشر.
في الوقت ذاته، تحمل هذه الخطوات بعداً داخلياً، حيث يعمل الحرس الثوري على تكريس صورته كحامٍ للنظام وصاحب اليد العليا في إدارة الأزمات، بما يعزز موقعه داخل هرم السلطة.
هذا التحول الداخلي لا يخلو من انعكاسات إقليمية ودولية واسعة.
ففي الخليج، يثير تصاعد دور الحرس الثوري مخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع قد تمتد إلى ممرات بحرية حيوية مثل باب المندب، بينما تجد الولايات المتحدة نفسها أمام شريك تفاوضي غير متماسك، الأمر الذي يعقد فرص التوصل إلى تسوية مستقرة.
وعلى المستوى الاقتصادي، ينعكس التصعيد مباشرة على أسواق الطاقة، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واحتمال حدوث صدمة جديدة في الإمدادات.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن تحوّل بنيوي داخل النظام الإيراني، حيث لم يعد التفاوض منفصلاً عن الميدان، بل أصبح امتداداً له، ولم تعد المؤسسات السياسية وحدها من تحدد اتجاهاته، بل باتت خاضعة بدرجة متزايدة لاعتبارات القوة التي يفرضها الحرس الثوري.
وبذلك، فإن فهم سلوك إيران في المرحلة المقبلة يتطلب قراءة مزدوجة تأخذ في الاعتبار ليس فقط التوازنات الخارجية، بل أيضاً إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل النظام نفسه، حيث يبدو أن الكلمة الأخيرة تميل أكثر فأكثر إلى المؤسسة العسكرية.
The post إيران بين “دولة المؤسسات” و”دولة الحرس”: تحوّل في مركز القرار خلال حرب الخليج appeared first on أنباء إكسبريس.



